إن حقوق الله تعالى على عباده هي أوجب الحقوق وأولاها بالأداء، فمن أدى حقوق الله عز وجل يرجى له أن يؤدي حقوق غيره سبحانه وتعالى ومن تنكر لخالقه وموجده وجهل حقوقه كان حرياً أن يضيع حقوق غيره عز وجل، وأول الطريق لأداء حقوق الله عز وجل أن يتعرف العبد عليها ليعامل الله تعالى على علم، والعلم بهذه الحقوق فرض عين على العبد، وهو أشرف العلوم لتعلقه بالخالق ذي القدر العظيم جل وعلا، وهذا بيان بعض الحقوق الإلهية:
أولاً: الإيمان بالله تعالى، فالإيمان بالله عز وجل أول واجب على المكلف قال الله تعالى مادحا المؤمنين: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)، وقال الله تعالى متوعدًا بالعقاب الأليم من كفر به سبحانه وبرسوله صلى الله عليه وسلم: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا).
ولا شك أن الإيمان بالله يشمل الإيمان بوجوده وإثبات أسمائه وصفاته وأفعاله التي وردت في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل.
ثانيا: تعظيم الله سبحانه وتعالى، وقد عاب الله عز وجل فريقًا من عباده لإخلالهم بحق التعظيم فقال: (وما قدروا الله حق قدره)، وقال نوح عليه السلام لقومه: (مالكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا)، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم الله جل وعلا فيثني عليه بما هو أهله، ومن تعظيم الله عز وجل تعظيم كتابه الكريم ومن تعظيم الله عز وجل تعظيم شعائر الله عز وجل: (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، ومن تعظيم الله سبحانه وتعالى الأدب معه عز وجل في الخطاب وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْخَطِيبِ الَّذِي قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا ( بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ)، لِجَمْعِهِ بَيْنَ ضَمِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَضَمِيرِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ثالثا: عبادة الله وحده، فإن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فعن معاذ بن جبل قال: "كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله قلت الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن لا يشركوا به شيئا، وأن حق العباد على الله أن لا يعذب من فعل ذلك منهم"، وقد بيَّن الله تعالى أنه خلق عباده من أجل أداء هذا الحق العظيم فقال: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يعطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، وقال الله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا).
رابعا: طاعة الله تعالى فيما يأمر به، قال الله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)، وقال الله تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم)، وكل أحد من الخلق فطاعته بعد طاعة الله عز وجل وعندما تتعارض طاعة الله عز وجل وطاعة المخلوقين تقدم طاعة الله على طاعة من سواه إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا شك أن أول ما يدخل في أوامر الله تعالى التكاليف الشرعية التي أمر بأن يؤديها العبد من صلاة وصدقة وحج وزكاة وصوم وغيرها كما يدخل في ذلك العقوبات الشرعية التي أمر الله تعالى بتنفيذها فيمن يقع في مخالفة أمره كقع يد السارق ورجم الزاني وقتل القاتل إن لم يعفُ وليه وقتل المرتد وغيرها من الحدود الشرعية.
خامسا: محبة الله تعالى، فمحبة الله عز وجل من الحقوق التي تجب على العبد، قال الله تعالى: (قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)، وكل محبوب فمحبته بعد محبة الله عز وجل
ومحبة الله تعالى بها ينال المرء حلاوة الإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الايمان ، من يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، ومن يحب المرء لايحبه إلا لله ، ومن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يقذف به في النار".
ومحبة الله تعالى سبب من أسباب دخول الجنة فعن أنس قال : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة ؟ فقال : "ما أعددت لها ؟ فلم يذكر شيئًا إلا أني أحب الله ورسوله ، فقال : المرء مع من أحب".
سادسا: أن يُذكر سبحانه فلا ينسى، قال الله تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون)، وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)، وقد توعد الله تعالى من يغفلون عن ذكره فقال: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَثل الذي يذكر ربَّه ، والذي لا يذكر ربه: مَثلُ الحيِّ والميت"، وقد أمر الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم بذكره فقال: "واذكر بك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين)، وغير النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر أولى وأحرى.
سابعا: أن يُشكر سبحانه فلا يكفر، قال الله تعالى: (واشكروا لي ولا تكفرون)، وقال الله تعالى مادحًا عبده ورسوله نوحًا عليه السلام: (إنه كان عبدا شكورًا)، ومدح الله عز وجل إبراهيم خليله فقال: (إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر، وإن أصابته ضراء صبر، وكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن"
ومن فوائد شكر الله تعالى أنه يزيد النعمة ويديمها قال الله تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد), ومن فوائد الشكر أن الله تعالى يقي الشاكرين المهالك قال الله تعالى عن نبيه لوط عليه السلام: (إلا آل لوط نجيناهم بسحر * نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر).
ثامنا: من حقوق الله تعالى إكرام أهل طاعته وعبادته وإجلالهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن من اجلال الله عزوجل اكرام ذى الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالى فيه ولا الجافي عنه وإكرام ذى السلطان المقسط"
وفوق هؤلاء الرسل الكرام الذين بعثهم الله تعالى بهديه وكتبه فإجلالهم من إجلال الله تعالى.
تاسعاً: من حقوق الله تعالى، أن يُخشى فلا يُعصى، فخشية الله في السر والعلن من حقوقه عز وجل، قال الله تعالى: (الذين يخشون ربهم بالغيب)، وقال الله تعالى: (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حرمت النار على عين دمعت من خشية الله عز وجل ، وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله تعالى" وقال الله تعالى: "ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون"
عاشرا: إحسان الظن بالله تعالى، قال عز وجل: (الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء)، وقال الله تعالى عن المنافقين: (وظننم ظن السوء وكنتم قومًا بورا)، وقال الله تعالى مادحًا المؤمنين في غزوة الأحزاب لما رأوا جيوش المشركين: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلاّ إيمانًا وتسليمًا).وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء"
فتلك جملة من حقوق الله تعالى، وحقوقه عز وجل أعظم من أن تحصى وأجل من أن تحصر وما سبق جرء يسير منها نسأل الله تعالى أن يوفقنا للقيام بحقوقه وأداء ما يجب له علينا فإنه نعم المولى ونعم النصير.