الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد، فإنَّ مِن نِعَمِ الله الدينيةِ والدنيويةِ على العَبدِ الصالحِِِِ.. أن يَسَّرَ له مَن يُعِينُه في حياتِه على أداءِ مُهِمَّتِه في عِمارةِ الأرضِ بالعِبادة وطاعةِ الله، ورِعايَةِ الأبناءِ وتربيةِ النشءِ تربيةً صالحةً. وقد كانت مَعرَكةُ الشَّرِّ التي شَنَّها الشيطانُ على الإنسانِ تشمَلُ الحربَ على آدم عليه السلام وزوجِه معا، وعلى كلِّ بني آدم وذُريَّاتِهم، ثم كان التكليف مشتركا، والبلاء مشتركاً.. وكانت الزوجة الصالحةُ خيرَ مُعِين لزوجِها على تطاوُلِ القرونِ والأزمانِ؛ وقد سجَّل تاريخُ السيرة النبوية ذلك في مُؤازَرةِ خديجة رضي الله عنها لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم في بدايةِ الوحي، وأم سلمة في الحديبية، وسائر أمهات المؤمنين في كثيرٍ مِن مَواقِفِهن رضي الله عنهن جميعا.
ولو نَظَرْنا إلى هذه النِّعمةِ العظيمةِ: نِعمةِ الزوجةِ الصالحة.. لألْفَيْناها نِعْمَةً نفسيةً وجَسديةً واجتماعية؛ فالمرأةُ الصالحة تُمَثِّلُ للرجل الصالحِِِِ.. سعادةً نَفسِيةً.. وسَكِينةً جَسَدِيةً.. وراحةً اجتماعيةً. (إنْ نَظرَ إليها سَرَّتْه، وإنْ أمَرَها أطاعَتْه، وإنْ غاب عنها حَفِظَتْه في نَفسِها ومالِه)!
وقد امْتَنَّ الله عزَّ وجَلَّ على عِبادِه بِنِعْمةِ الأهلِ والوَلدِ.. فقال جلَّ جلالُه: (والله جَعلَ لكم مِن أنفُسِكم أزواجاً وجَعلَ لكم مِن أزواجِكم بنين وحَفدةً ورَزقَكم مِن الطيباتِ أفبالباطل يؤمِنُون وبنعمةِ الله هم يكفرون).(1) قال القرطبي رحمه الله: "قال: (والله جَعَلَ لكم مِن أنفُسِكم أزواجاً وجَعلَ لكم مِن أزواجِكم بنين وحَفَدةً)؛ وهذا غايةٌ في الامتِنان".(2) وقال سيد قطب رحمه الله: "فهُنَّ مِن أنفُسِكم؛ شَطرٌ منكم".(3)
وقد عَبَّرَ القرآنُ عن هذا التآلُفِ والتناسُقِ والانسِجامِ بين الزَّوجَيْن أبْلغَ التعبير؛ فقال جلَّ جلالُه: (يا أيها الناسُ اتقُوا ربَّكم الذي خَلَقَكم مِن نَفسٍ واحِدةٍ وخَلقَ منها زوجَها)،(4) وقال تعالى: (فاطِرُ السمواتِ والأرضِ جَعَلَ لكم مِن أنفُسِكم أزواجاً).(5) ولله درُّ سيد قطب؛ ما أحْسنَ قولَه: "إنهما لَيسا فَرْدَيْن مُتَماثِلَين؛ إنما هما زَوجان مُتكامِلان"!(6)
وقد ذَكَّرَ الله عِبادَه بِما بَثَّهُ بين الزَّوجَيْن مِن مَحَبةٍ وشَفَقةٍ وأُلْفةٍ ورَحْمةٍ، فقال عزَّ وجَلَّ: (ومِن آياتِه أنْ خَلقَ لكم مِن أنفُسِكم أزواجاً لِتَسكُنُوا إليها وجَعلَ بينَكم مَودةً ورحمةً إنَّ في ذلك لآياتٍ لِقومٍ يتفكَّرُون).(7) قال ابن كثير رحمه الله: "وقال تعالى: (يا أيها الناسُ اتقوا ربَّكم الذي خَلقَكم مِن نفسٍ واحدةٍ وخَلقَ منها زوجَها) الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: (وجَعلَ منها زوجَها لِيَسْكُنَ إليها) أي: لِيألَفَها ويَسْكُنَ بها، كقولِه تعالى: (ومِن آياتِه أنْ خَلقَ لكم مِن أنفُسِكم أزْواجاً لِتَسْكُنُوا إليها وجَعلَ بينَكم مَوَدةً ورحمةً)؛ فلا أُلْفةَ بين رُوحَيْن أعْظم مِمَّا بين الزَّوجَيْن؛ ولهذا ذكرَ تعالى أنَّ الساحِرَ ربَّما تَوَصَّلَ بِكَيْدِه إلى التفرِقةِ بين المرءِ وزَوجِه".(8)
وما أحسنَ الترجمةَ التي وَرَدَتْ في صحيحِ مسلم: باب (خير متاع الدنيا المرأة الصالحة)، وقد روى عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: (الدنيا مَتاعٌ، وخيرُ مَتاعِ الدنيا المرأةِ الصالحة).(9)
ولك أنْ تَعلمَ عَظَمةَ نِعمةِ الزوجةِ الصالحةِ في قِيامِها بِوَظِيفَتَيها التي ناطَها الشرعُ بها: ألا وهما: تربية الأبناء، ورعاية الأزواج، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (خيرُ نساءٍ رَكِبْن الإبلَ: نساء قريش: أحْناه على وَلدٍ، وأرْعاه لِزَوج)؛(10) فأعْظِمْ بِهما مِن مَسؤولِيَّتَين، وأكْرِمْ بِهما مِن وَظِيفَتَين!(11)
ولكنَّ الزوجةَ.. كما تكون نِعمةً مِن خيرِ متاع الدنيا؛ فإنها قد تكون نِقمةً على زوجِها وفِتنةً من أعظمِ الفِتَن؛ إذا لم يُحْسِن اختِيارَها؛ فلم تَكُنْ مِن الصالحاتِ، بل كانت مُجرَّدَ شَهوةٍ مِن الشهوات؛ يُراد منها اللهوُ والزينةُ والتفاخُر، وقد تؤدِّي إلى الضَّررِ والعَداوات، كما قال تعالى: (اعْلَمُوا أنَّما الحياةُ الدنيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينةٌ وتَفاخُرٌ بَينَكم وتَكاثرٌ في الأمْوال والأولاد).(12) وقال جلَّ جلالُه: (زُيِّن للناسِ حُبُّ الشهواتِ مِن النساءِ والبنين والقناطيرِ المقنطرةِ مِن الذهبِ والفِضةِ والخيلِ المسوَّمة والأنعامِ والحرثِ)،(13) وقال الله عزَّ وجَلَّ: (يا أيها الذين آمَنُوا إنَّ مِن أزواجِكم وأولادِكم عَدُوّاً لكم فاحْذَرُوهم).(14) قال القرطبي رحمه الله: "قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذا يُبَيِّنُ وَجهَ العداوةَ؛ فإنَّ العَدوَّ لم يكنْ عَدُواًّ لذاتِه؛ وإنما كان عدوًّا بِفِعلِه، فإذا فعلَ الزوجُ والولدُ فِعْلَ العَدوِّ؛ كان عَدُواًّ؛ ولا فِعْلَ أقبح مِن الحيلولةِ بين العبدِ وبينَ الطاعة".(15)
قال النووي رحمه الله: "فِتنةُ الرجلِ في أهْلِه ومالِه ووَلَدِه ضُروبٌ مِن فَرطِ مَحبتِه لهم وشُحِّه عليهم وشُغلِه بهم عن كثيرٍ من الخير، كما قال تعالى: (إنما أموالُكم وأولادُكم فِتنةٌ)، أو لِتَفريطِه بما يلزم مِن القيامِ بِحُقوقِهم وتأديبِهم وتَعليمِهم؛ فإنه راعٍ لهم ومسئولٌ عن رَعيَّتِه".(16)
وقد وَرَدَ في السُّنةِ النبويةِ أنَّ فِتنةَ النساءِ مِن أعظمِ الفتن، كما روى مُسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما تركتُ بعدي فِتنةً هي أضَرُّ على الرِّجالِ مِن النساء).(17) وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ الله مُسْتَخْلِفُكم فيها؛ فينظر كيف تعلمون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النِّساء؛ فإنَّ أولَ فِتنةِ بنِي إسرائيل كانت في النساء).(18) قال النووي رحمه الله: "(فاتقُوا الدنيا) معناه: تَجَنَّبُوا الافتِتانَ بها وبالنساء. وتَدخُلُ في النساءِ الزوجاتُ وغيرُهن، وأكثرُهن فِتنةً الزوجاتُ، ودَوام فِتنَتِهن، وابتلاء أكثر الناس بهن".(19)
وقال ابن كثير رحمه الله: "أخبر تعالى عما زُيِّنَ للناسِ في هذه الحياة الدنيا من أنواع الملاذ من النساء والبنين؛ فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشدُّ، كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركتُ بعدي فِتنةً أضَرَّ على الرجالِ من النساء)؛ فأما إذا كان القصدُ بهن الإعفافَ وكثرةَ الأولاد؛ فهذا مطلوبٌ مَرغوبٌ فيه مندوبٌ إليه كما وردت الأحاديث بالترغيب في التزويج والاستكثار منه؛ وإن خير هذه الأمة من كان أكثرها نساء وقوله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصالحة؛ إنْ نظرَ إليها سَرَّتْه، وإنْ أمَرَها أطاعَتْه، وإنْ غابَ عنها حَفِظَتْه في نفسِها ومالِه)، وقوله في الحديث الآخر: (حُبِّبَ إلَيَّ النساءُ والطِّيبُ وجُعلَتْ قُرةُ عَينِي في الصلاةِ)... وحُبُّ البنين تارةً يكون للتفاخُرِ والزِّينةِ؛ فهو داخِلٌ في هذا، وتارةً يكون لِتَكثيرِ النسلِ وتكثيرِ أمةِ محمد صلى الله عليه وسلم مِمَّن يعبد الله وحدَه لا شريك له؛ فهذا مَحْمُودٌ مَمْدُوحٌ كما ثبتَ في الحديث: (تزوَّجوا الودودَ الولودَ؛ فإني مُكاثِرٌ بكم الأممَ يوم القيامة)".(20)
فالزوجةُ الطالِحَة شَقاءٌ وتَعاسةٌ وفِتْنةٌ في الدِّينِ، والزوجةُ الصالِحَةُ نِعْمةٌ وسَعادةٌ في الدارَيْن؛ وصَدَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إنما الدنيا متاع؛ وخير متاعِها الزوجة الصالحة)!(21)
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
__________________________
الهوامش:
(1) النحل 72.
(2) الجامع لأحكام القرآن 10/125.
(3) في ظلال القرآن 14/2183.
(4) النساء 1.
(5) الشورى 11.
(6) في ظلال القرآن 4/574.
(7) الروم 21.
(8) تفسير القرآن العظيم 2/275.
(9) صحيح مسلم 2/1090، حديث 1467.
(10) صحيح البخاري، حديث 4794، و5050 وصحيح مسلم حديث 2527.
(11) راجع شرح النووي على مسلم 16/80.
(12) الحديد 20.
(13) آل عمران 14.
(14) التغابن 14.
(15) الجامع لأحكام القرآن 18/141.
(16) شرح النووي 2/170-171.