لم يكن إنشاء مصنع جياد والمصانع الأخرى العاملة في مجال الصناعات الحديدية بالخرطوم ليعود نفعها على الحكومة المركزية أو كبار الملاك وحدهم، فقد صار من المعتاد أن تشاهد في الشارع السوادني شابا في مقتبل العمر أو شيخا مسنا، يلتقط قطع الحديد من طرقات الخرطوم بكل جدية ونشاط.
كما أنه ليس غريبا أن ترى شاحنة ضخمة محملة بالحديد الخردة عن آخرها، وهي تنطلق في أطراف المدينة، بعد أن حملت في جعبتها كل نثار الحديد التي جمعها أولئك الرجال، لتذهب بها إلى نقاط تجميع الحديد التي يشرف عليها بعض الشباب، تمهيدا لانتقالها لنقاط أكبر، والتي تتولى بدورها تزويد المصانع بها.
ونقطة تجميع الحديد، لا تعدو أن تكون مساحة خالية من المباني تقع على طريق مسفلت لضرورة نقل البضاعة، ويتكوم فيها الحديد على شكل تلال صغيرة، ويُنصب ميزان ضخم في صدر تلك المساحة، بالإضافة لعنقريب صغير "سرير صغير" يستغله مدير النقطة في الجلوس واستضافة زبائنه من جامعي الحديد الخردة.
طن خردة =150 دولارا
أحمد آدم شاب في أواخر العشرينيات يشرف على واحدة من هذه النقاط في ضاحية "جبرة" جنوب الخرطوم.
ويعمل آدم بها منذ ثلاث سنوات، وكان قبل امتهانه لهذه المهنة يتقلب بين العديد من المهن الهامشية، كلما ظن أن إحداها أعلى أجراً أو أكثر دخلاً، وجاء تحوله للخردة لمساعدة شقيقه الأكبر محمد الذي سبقه إليها بسنوات، بعدما اتسع نشاطه.
لكن محمد اختار لنفسه هذه المهنة منذ بدأ يخرج لسوق العمل، ويرى أنها مجال مهم يمكنه أن يستوعب عددا كبيرا من العاطلين في ظل تعدد المراحل التي تمر بها قطعة الحديد منذ جمعها حتى دخولها المصنع.
وتبدأ هذه المراحل بجمع الخردة، والشخص الذي يعمل بهذه المهنة يكون له مصدران، إما التقاطها من الشوارع وصناديق القمامة، أو بشرائها من مخلفات منازل المواطنين، وتتمثل هذه المخلفات في بقايا الأواني والأجهزة المنزلية وهياكل السيارات القديمة.
وتنتقل الخردة بعد ذلك من هؤلاء الباعة إلى مراكز تجميع الحديد الفرعية التي يعمل بها في الغالب أكثر من شخص.
وتشتري هذه المراكز من الباعة بسعر 300 جنيه سوداني للطن (تعادل 150 دولارا أمريكيا)، ولا تفرق بين الأنواع المختلفة من الخردة، فوفقا لمحمد، فإن كل الأدوات التي تدخل المعادن الحديدية في تكوينها تصلح للبيع.
من الأصغر للأكبر
ومن نقاط التجميع الصغيرة -كالتي يشرف عليها محمد وشقيقه- إلى النقاط الأكبر، تنتقل رحلة الحديد الخردة، وتتولى الأخيرة عملية البيع للمصانع العاملة في مجال الحديد بـسعر من 400 إلى 450 جنيه سوداني (200-225 دولارا(.
وتستعين كل مرحلة من هذه المراحل بمهن أخرى، ولكنها -كما يقول أحمد- لا تخدم الخردة فحسب، بل تعتبر عاملا مساعدا على رواجها، كصاحب الكارو (وهو وسيلة نقلة بدائية تتكون من عربة يجرها حمار) الذي يستعين به جامعو الخردة لنقلها إلى نقاط التجميع الصغيرة، وسائقو شاحنات النقل الضخمة التي تنقل بصورة يومية عشرات الأطنان من الحديد للمسابك أو مصانع إعادة تدوير الحديد في الخرطوم، وبالإضافة لكل هؤلاء يستفيد المواطن الذي تخلص من أشياء مهملة بمنزلة وحصل على أموال نظير ذلك.