شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

إجلالي وإكباري لصحيح البخاري

 

د.محمد عمر دولة
باحث إسلامي

2009-07-20

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فلا يزال أهل العلم بالسنّة يلهجون بقولهم عن بعض الأحاديث: "رواه الإمام البخاريّ وهو أصحُّ كتاب بعد كتاب الله"، و "تلقته الأمة بالقَبول"، و "أخرجه البخاريّ وكفى به". ولو ذهبتَ تتأمل سبب هذه الحفاوة بشيخ الإسلام البخاريّ، وسرَّ تلك الحُظوة بـ( الجامع الصحيح) لوجدت أمرين:

الأول: يتعلّق بمحمد بن إسماعيل البخاري عالماً ربانياً، تقيّاً نقيّاً، حافظاً حاذقاً للفنون، حادباً على السنة، عاكفاً على العلوم، عَلاًّ بعد نَهَل.

فقد أخذ العلم من ينبوعه الصافي الذي لم يُشَبْ، وتلقاه عن أكابر الآخذين عن التابعين غضاً طرياً من أمثال: أبي عاصم النبيل، وعبيد الله بن موسى، ومكي بن إبراهيم الذي حاز من طريقه ثلاثياته الغالية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وتتلمذ على أئمة الفقه في عصره، لا سيما الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وتخرّج على يد ملوك الحفظ وأمراء الحديث: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأبي نعيم الفضل بن دُكين؛ ولذلك قال قتيبة بن سعيد للذي جاء يسأله والبخاري قادم فأشار إليه أن: "هذا أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعلي بن المديني قد ساقهم الله إليك".

ولقد شمّر البخاري رحمه الله منذ طفولته عن ساعد الجد وعمّر أوقاته بالطلب، لا يثنيه ظمأ ولا نصب ولا مخمصة، كما قال البخاري عن نفسه: "خرجتُ إلى آدم بن أبي إياس فتأخرتْ نفقتي حتى جعلت أتناول حشيش الأرض"، وقال: "دخلتُ إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع المحدِّثين".

وهذه الهمة العالية مهّدت للبخاري رحمه الله سبل الإتقان، وهيّأت له أن يسبق الأقران، كما روى البخاري أنه كان في مجلس الفِريابي فقال: "حدّثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أبي حمزة" فلم يعرف أحد في المجلس من فوق سفيان، قال : "فقلت لهم: أبو عروة هو معمر بن راشد، وأبو الخطاب هو قتادة بن دِعامة، وأبو حمزة هو أنس بن مالك"، بل كان البخاري يصحّح بعض شيوخه وعمره إحدى عشرة سنة، كما حكى عن شيخه الداخلي أنه قرأ فيما كان يقرأ للناس: "سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم"، فقلت: "إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم"؛ فانتهرني فقلت: "ارجع إلى الأصل إن كان عندك"، فدخل فنظر فيه ثم رجع فقال: "كيف يا غلام؟" فقلت: "هو الزبير ـ وهو ابن عدي ـ عن إبراهيم"؛ فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: "صدقت"؛ ولهذا الاعتبار عهد إليه شيخه إسماعيل بن أبي أويس أن ينتقي من كتبه، وكان يقول: "هذه الأحاديث انتخبها محمد بن إسماعيل من حديثي". وطلب إليه الحافظ عبد الله بن يوسف التنيسي ومحمد بن سلام البيكندي أن يتتبّع كتابيهما فيحذف منهما الخطأ وهما من شيوخه، بل كان شيخه عبد الله بن منير يقول: "أنا من تلامذته"، وكان شيخه أبو بكر بن أبي شيبة يسمّيه (البازل) أي الكامل، وحسبه أن يقول فيه يحيى بن جعفر البيكندي: "لو قدرت أن أزيد من عمري في عمر محمد بن إسماعيل لفعلت". ولقد أنصفه أهل بغداد حين كتبوا إليه:

المسلمون بخير ما بقيتَ لهم وليس بعدك خيرٌ حين تُفْتقدُ!

وقد اعتمد البخاري رحمه الله على منهج علميّ في الطلب، استعان فيه بالنُّهمة ومداومة النظر، حتى قال: " لو قيل لي: تمنَّ، لما قمت حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة"، وقد اجتهد في الحفظ والمدارسة إلى الغاية؛ فاكتسب المهارة والملكة النقدية الأصيلة بطول الممارسة؛ حتى قال له مسلم بن الحجاج ـ حينما أفاده بشأن كفارة المجلس ـ: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك"، وقبّل بين عينيه وقال: "دعني أُقبِّلْ رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله"!، وما أصدق ما قال فيه أحمد بن سيّار: "كان حسن المعرفة، حسن الحفظ"!

والثاني: يتعلق بـ(الجامع الصحيح) الذي جمع فيه من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من سبعة آلاف، عقد لها مائة كتاب ـ أو تسعة وتسعين ـ، وتفنن فيها كما شاء له علمه وفهمه، حتى قال الحاكم أبو أحمد: "لم أرَ تصنيف أحد يشبه تصنيفه في الحُسْن"، والتمس في تأليفه البركة، واستمسك فيه بالإخبات والإخلاص فقال: "ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثاً إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصلّيتُ ركعتين". وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنّ الإمام البخاري حوّل تراجم جامعِهِ من المسودة وبيّضها بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يصلي لكلِّ حديث ركعتين.

ومما يُشهد به للبخاري رحمه الله في هذا الكتاب المبارك أنه أسس منهجاً نقدياً أصيلاً، أعرض فيه عن الأحاديث الضعيفة والخرافات السخيفة التي تورّمت بها الثقافة الإسلامية حيناً من الدهر؛ جهلاً بالصحيح والمتواتر، وصار المبتدعة يعارضون بها القرآن! فالبخاري فارس الحلبة وأول من اشترط الالتزام بالأحاديث الصحيحة والاكتفاء بها، وفق ضوابط علمية دقيقة، ورؤية نقدية عميقة، ولفتات فقهية رشيقة.

ومن مآثر (الصحيح) أنه أكّد على المعرفة التامة الناصعة بالعقيدة، فبدأ بـ( بدء الوحي) و (الإيمان) وختمه بـ(الاعتصام) و(التوحيد). وذكر الأحكام المفصّلة والجامعة في العبادات والمعاملات وكلِّ نواحي الحياة، واهتمّ بذكر الآداب والمواعظ في كتاب (الأدب) و(الرقاق)، بالإضافة إلى ما نثره في بقية الكتب نثرَ الورود في الحدائق.

ومن روائع البخاري رحمه الله أنه ضرب لنا أحسن الأمثال في تكامل العلوم الإسلامية محتفياً بعلوم شتى، فخصّ القرآن بكتابين في (الفضائل) و(التفسير)، واعتنى باللغة، وأشار إلى شيء من الأنساب والتاريخ، ونبه على قواعد الأصول وروح الجمع بين النصوص، وورود الناسخ، وإمكان الترجيح، كما ملأ (جامعه) بالفقه الدقيق واستخراج دقائق بمنتهى الكياسة، ولطائف في غاية النفاسة، حتى سار في الآفاق قول العلماء: "فقه البخاري في تراجمه"، فهو الذي نهج لأهل العلم اقتطاع الأحاديث على حسب النظرات الفقهية، وتكرارها حسب دلالاتها اللفظية، كيف وقد أورد زواج النبي صلى الله عليه وسلم من أمِّنا صفية رضي الله عنها أربعين مرة، وقد ضمّن أبواب الصحيح تراجم "حيّرت الأفكار، وأدهشت العقول والأبصار" كما قال ابن حجر رحمه الله، لا سيما وهو يؤثر الاستدلال الخفيَّ على الجلي؛ "لغرض شحذ الأذهان في إظهار مُضْمَرِهِ واستخراج خَبِيئِهِ"؛ حتى علّق ابن رشيد على ما ترجم به البخاري في أوائل كتاب العلم: (باب من رفع صوته بالعلم) قائلاً: "في هذا التبويب رمزٌ من المصنِّف إلى أنه يريد أن يبلغ الغاية في تدوين هذا الكتاب بأن يستفرغ وُسْعَه في حسن ترتيبه، وكذلك فعل رحمه الله تعالى"، وقال مُعلّقاً على الباب الذي ختم به البخارى كتاب العلم حيث ترجم: (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله)، فنبّه ابن رشيد ـ بحكمته وفطنته ـ على أن هذا "إشارةٌ منه إلى أنه بلغ الغاية من الجواب عملاً بالنصيحة، واعتماداً على النية الصحيحة، وأشار قبل ذلك بقليل بترجمة: (من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه) إلى أنه ربما صنع ذلك، فأتبع الطيّب بالطيّب بأبرع سياق وأبدع اتّساق"!

فإذا انضم إلى محلِّ ما ذُكر من روائع تبويبه، وبدائع ترتيبه، ونفائس تجميعه ما حفظه لنا البخاري رحمه الله من الأسانيد المتصلة برواية أكابر الثقات، حتى لا تنبني معرفتنا على الأوهام والتُّرَّهات، تبيّن لنا أنّ (الجامع الصحيح) جمع فأوعى، وكان اسماً على مسمّى، وما أحسنَ ما وصفه به صاحب (جواهر البخاري) حيث قال: "صار حَرِيّاً أن يُكتب بسواد المسك على بياض الكافور، ويُعلّق بخيوط النور، على نحور الحور ووجوه البدور"!

والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team