شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

شهرُ رمضان جُنَّةٌ مِنَ النِّيران

 

د.محمد عمر دولة
باحث إسلامي

2009-08-24

رَحِمَ الله أبا حامد الغزالي؛ فقد أحسنَ التعبيرَ عن كَوْنِ الصومِ (جُنَّةً) بقولِهِ: "الحمدُ لله الذي أعظمَ على عبادِهِ المِنَّةَ؛ بما دفع عنهم كيدَ الشيطانِ وفَنَّه، وردَّ أملَهُ وخيَّبَ ظنَّه؛ إذْ جعلَ الصومَ حِصْناً لأوليائهِ وجُنَّة، وفَتَح لهم بهِ أبوابَ الجَنَّة، وعَرَّفَهم أنَّ وسيلةَ الشيطانِ إلى قلُوبِهم الشهواتُ المُسْتَكِنَّة، وأنَّ بقَمْعِها تُصبِحُ النفسُ المطمئنَّة ظاهرةَ الشوكةِ في قَصْمِ خَصْمِها قويَّةَ الْمُنَّة[1]"![2]

ولا يخفى على طالبِ العلمِ أنَّ (الصوم جُنَّةٌ) من روائعِ البيان لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم ؛ فقد زُوِيَ له العلمُ وأُوتِيَ جوامعَ الكَلِمِ؛ ذلك أنَّ الصومَ جُنَّةٌ من النار، ومن الشهوات، ومن سائرِ المنكَرات!

الصومُ جُنّةٌ من النار:

روى الإمامُ البخاري رحمه الله في كتاب (الصيام) باب (فضل الصوم) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيامُ جُنَّة)! وزاد سعيد بن منصور والنسائي: (جُنَّةٌ من النار)، وعند أحمد: (جُنَّةٌ وحِصْنٌ حصينٌ من النار)![3] وقد قال ابنُ عبد البر: "الجُنَّة: الوِقايةُ والسِّترُ من النار؛ وحسبُك بهذا فضلاً للصائم!".[4]

ورحم الله ابنَ قدامة حيث قال: "إنّ في الصوم خصيصةً ليست في غيرِهِ؛ وهي إضافتُهُ إلى الله عزّ وجلّ، حيث يقول سبحانه: (الصيام لي وأنا أجزي به)؛ وكفى بهذه الإضافة شرفاً! كما شرّف البيتَ العتيقَ بإضافتِهِ إليه في قولِه: (وطهِّرْ بيتي)؛[5] وإنما فُضِّل الصومُ لمعنيَيْن: أحدُهما: أنه سِرٌّ وعملٌ باطِنٌ لا يراه الخلقُ ولا يدخله رياءٌ! الثاني: أنه قهرٌ لعدوِّ الله؛ لأنّ وسيلةَ العدوِّ الشهوات؛ وإنما تقوى الشهواتُ بالأكلِ والشُّرْبِ، وما دامت أرضُ الشهواتِ مُخصِبَةً؛ فالشياطينُ يتردَّدُون إلى ذلك المرعى؛ وبترك الشهواتِ تضيق عليهم المسالك"![6]

الصومُ جنَّةٌ من الشهوات:

وما ألطفَ ما ذَكَرَهُ ابنُ العربي في هذا الباب؛ فقد قال رحمه الله: "إنما كان الصومُ جُنَّةً من النار؛ لأنه إمساكٌ عن الشهواتِ، والنارُ محفوفةٌ بالشهوات؛ فالحاصلُ أنه إذا كفَّ عن الشهواتِ في الدنيا كان ذلك ساتراً له مِن النار في الآخرة".[7]

ولله درُّ ابنِ القيِّم حيث قال: "لما كان المقصودُ من الصيامِ حبسَ النفسِ عن الشهواتِ، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتِها الشهوانيّة؛ لتستعدَّ لطلبِ ما فيهِ غايةُ سعادتِها ونعيمِها، وقَبولِ ما تزكو به مما فيهِ حياتُها الأبديّة، ويكسر الجوعُ والظمأ من حِدَّتِها وسَورتِها، ويُذكِّرُها بحالِ الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتضيق مجاري الشيطانِ من العبد بتضييقِ مجاري الطعامِ والشراب، وتحبس قُوى الأعضاء عن استرسالِها لِحُكْمِ الطبيعةِ فيما يضرُّها في مَعاشِها ومَعادِها، ويُسكِّن كلَّ عضوٍ منها وكل قوة عن جماحِهِ، وتُلجَم بلجامِهِ؛ فهو لِجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربِين، ورياضةُ الأبرارِ والمقرَّبِين"![8]

الموتُ جِسْرٌ بينَنا وبين النِّيران:

أخي الصائم.. هلاَّ ذكََّرَنا حَرُّ هذه الأيامِ من رمضان.. شدّةَ حرارةِ النِّيران؟! وقولَ ربِّنا الرَّحْمَنِ جَلَّ جلالُهُ: (كلُّ نفسٍ ذائقةُ الموتِ وإنما تُوفَّوْنَ أجورَكم يومَ القيامة فمَنْ زُحْزِحَ عن النارِ وأُدْخِلَ الجنةَ فقدْ فازَ وما الحياةُ الدنيا إلا متاعُ الغُرور)![9]

ولا تنسَ أخي الصائم.. أنه بعدَ حِينٍ "يموت الصالحون ويموت الطالحون، يموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت الـمُسْتَعْلُونَ بالعقيدةِ ويموت الـمُسْتَذَلّون للعبيد، يموت الشجعانُ الذين يأبَوْنَ الضَّيْمَ، ويموت الجبناءُ الحريصون على الحياة بأيِّ ثمنٍ، يموت ذوو الاهتمامات الكبيرة ويموت التافهون الذين يعيشون فقط للمتاع الرخيص!... لا فارقَ بين نفسٍ ونفسٍ في تذوُّقِ هذه الجُرْعة من هذه الكأسِ الدائرةِ على الجميع؛ إنما الفارقُ... في المصيرِ الأخير!...ولفظ (زُحْزِح) بذاته يُصوِّر معناه بجرسِهِ، ويرسُم هَيئته ويُلقي ظِلَّه! وكأنما للنارِ جاذبيّةٌ تشدُّ إليها مَن يقترب منها ويدخل في مجالها؛ فهو في حاجةٍ إلى مَن يُزَحْزِحه قليلاً قليلاً؛ ليخلِّصَهُ مِن جاذبيَّتِها المنهومة؛ فمَن أمكنَ أن يُزحزِحَ عن مجالِها ويُستنقَذَ مِنْ جاذِبيَّتِها ويدخُلَ الجنةَ فقد فاز!"[10]

حرارةُ الدنيا وحرارة جهنم:

ويا ليتَ شعري! متى نتفطَّنُ إلى مغزى الإشارة النبويّة البديعة في ربطِ الحَرِّ في الدنيا بنارِ جهنّم؟! كما في قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم : (شدّةُ الحَرِّ من فَيْحِ[11] جهنّم)![12] وقوله صلى الله عليه وسلم : (اشتكت النار إلى ربِّها؛ فقالت: يا رَبِّي أكَلَ بعضي بعضاً؛ فأذِنَ لها في نَفَسَيْن: نَفسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف؛ أشدَّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدَّ ما تجدون من الزمهرير)![13]

عرقُ الدنيا وعرقُ الآخرة:

عجباً لك أخي الصائم.. كم تتضايقُ مِنْ حبَّاتِ العرقِ.. إذا تقاطرتْ عن جبينِك.. وسَرَت بين سحرِك ونحرِك.. وأنت راجعٌ من المسجد في حرِّ الظهيرةِ تحثُّ الخطى! فكيف بالله تصنع يومَ القيامة، حين يعرق الناسُ (حتى يذهبَ عرقُهم في الأرضِ سبعين ذراعاً، ويُلجمُهم حتى يبلغ آذانهم)![14]

إنك ـ أخي الصائم ـ يومَ القيامةِ تَذُوقُ من الشمسِ جَمْرَها وتَجِدُ في ذلك اليومِ حَرَّها كأنّك ما رأيتَ الشمسَ قط! وتغرق يا صاحِ في بحرٍ من العرق؛ كأنك ما عرفتَ العرقَ قط! أم تُراك لم تسمعْ حديثَ المقدادِ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تُدنَى الشمسُ يومَ القيامة من الخلق؛ حتى تكون منهم مقدارَ مِيل!) قال سُليم بن عامر الراوي عن المقداد: فواللهِ ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض؟ أم الميل الذي تُكتَحَل به العينُ؟ قال: (فيكون الناسُ على قدرِ أعمالِهم في العرق: فمنهم مَن يكون إلى كَعْبَيْهِ، ومِنهم مَن يكون إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنهم مَن يكون إلى حِقْوَيْهِ، ومِنهم مَن يُلجِمُهُ العرقُ إلجاماً! قال: وأشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى فِيهِ)!.

ـــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] قال الجوهري رحمه الله: "المُنَّةُ بالضم: القوَّة. يقال: هو ضعيف المُنَّة. ومَنَّهُ السيرُ: أضعفَه وأعياه. ومَنَنْتُ الناقةَ: حسَرتها. ورجلٌ منينٌ، أي ضعيفٌ كأنَّ الدهرَ منَّه، أي ذهب بمُنَّتِهِ، أي بقوَّته. والمَنينُ: الحبل الضعيف. والمَنينُ: الغبار الضعيف". الصحاح في اللغة 2/183.

[2] الإحياء مع إتحاف السادة المتقين بشرحِ إحياء علوم الدِّين للزبيدي 4/185-186. دار الفكر بيروت.

[3] أفاده الحافظ ابنُ حجر في الفتح 4/594.

[4] التمهيد لابن عبد البر 7/300.

[5] الحج 26.

[6] مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة ص 45.

[7] نقله ابنُ حجر رحمه الله في الفتح 4/594. دار الفكر بيروت. ط1. 1414 هـ.

[8] زاد المعاد من هديِ خيرِ العباد لابن القيم ص 28-29.

[9] آل عمران 185.

[10] في ظلال القرآن لسيد قطب رحمه الله 1/538-539.

[11] فسَّر النووي رحمه الله فيح جهنَّم أعاذها الله منه بأنه "سطوع حرِّها وانتشاره وغليانه" شرح النووي على مسلم 5/118.

[12] رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة باب الإبراد بالظهر في شدّة الحَرّ. فتح الباري 2/201، ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب الإبراد بالظهر في شدّة الحَرِّ 5/117.

[13] رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب الإبراد بالظهر في شدّة الحرّ. فتح الباري 2/202، ورواه في بدء الخلق باب صفة النار وأنها مخلوقة. فتح الباري 6/480.

[14] رواه الشيخان. وقال النووي: "معنى (يذهب في الأرض): ينزل ويغوص". رياض الصالحين للنووي ص 202. المكتب الإسلامي بيروت. 1418 هـ.

[15] رواه مسلم، وقد أخرجه النووي في باب (الخوف) من رياض الصالحين ص 202.



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team