فروق شاسعة تفصل ما بين أوضاع سنغافورة والسودان. ومع ذلك يمكن للحكومة السودانية والشعب السوداني الإفادة العظمى من تجربة هذه الدولة الصغيرة الناهضة، أو التي نهضت فعلاً وحققت لشعبها جل ما كان يطمح إليه، أو قل إنها حققت له أكثر مما كان يطمح إليه أو يخطر له على بال!
دولة المدينة الفاضلة:
سنغافورة دولة صغيرة حتى أنه يمكن أن تسمى دولة- المدينة (City- State) أي الدولة الصغيرة القائمة على أساس مدينة أو حاضرة واحدة، خلاف الدولة القومية (Nation- State) التي تقوم على أرض شاسعة وتضم مناطق ومدن وقرى متكاثرة.
ودولة المدينة كانت محط أحلام الفلاسفة الغابرين، وعلى مستواها التحليلي أنشأ أفلاطون جمهوريته اليوتوبية، وأقام الفارابي مدينته الفاضلة، وخطط مكيافللي فلسفته المرعبة( وإن كان قد رمى إلى توحيد إيطاليا كلها على نواة دولة - مدينة فلورنسا!) وكتب روسو فصول فلسفته الرومانتيكية الحالمة في العقد الاجتماعي على نطاق حدودها!
الدولة الأشد ازدهاراً:
وبالإضافة إلى سنغافورة توجد بضعة مدن – مدينة، في عالم اليوم، مثل إمارة موناكو، وبعض مدن نيو إنجلاند، وكانتونات سويسرا. وهي كلها مدن عامرة مزدهرة، ولكن سنغافورة أشدها عمارا وازدهارا، وهي تختلف عنها في ناحية واحدة مهمة هي التي دعتنا لإنشاء هذا المقال لمضاهاة وضعها بالسودان.
دولة لا ديمقراطية:
تختلف سنغافورة عن دول المدينة الآنف ذكرها، في أنها ليست دولة ديمقراطية على النمط الأوروبي. فلا هي ذات ديمقراطية مباشرة، بمعنى أن يجتمع سكان الدولة كلهم على صعيد واحد لمناقشة المشاكل، واتخاذ القرارات، وتنفيذها، ولا هي ديمقراطية تمثيلية يتنافس فيها حزبان قويان، أو أحزاب متعددة، ويعطي السكان أصواتهم لمن يأتوا نواباً ليمثلونهم، ويختارون بدورهم الجهاز التنفيذي.
في سنغافورة حزب غالب، يكاد ينال جميع الأصوات، ويحوز رضا المواطنين في أغلبيتهم الساحقة، وهذا شيء عزيز في الوجود، أن يصوت الناس في انتخابات حرة نزيهة، وفي كل مرة يعطون بمحض إرادتهم، أصواتهم بهذا القدر الإجماعي أو شبه الإجماعي لحزب واحد!
وإذا كان البعض قد سمى هذه الظاهرة بالدكتاتورية الناعمة، فهي تسمية (ظريفة) وإن لم تكن مصيبة، لأن النظام السياسي السنغافوري يمكن أن يسمى كذلك إذا اقتصر النظر على المظهر دون الجوهر، وإلا فجوهر ذلك النظام لا يمكن أن يعد دكتاتورياً أو سلطوياً لأن الشعب يختار حكومته مرة بعد مرة وهو عنها راض.
ورضا الشعوب عن حكوماتها مطلب عسير نادر، فإن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام هذا إن عدل، كما قيل في حِكم الشعر! ولكن أهل هذه الدويلة الصغيرة حجماً، والكبيرة قدراً، قد خرجوا عن نطاق تلك الحكمة الشعرية السياسية الإنطباعية القديمة، ومنحوا ولاءهم المتجدد لحكومة تخدمهم بما يرضيهم ويزيد.
القابلية للنهضة .. لا للاستعمار:
انفصلت سنغافورة عن ماليزيا في عام 1965م، وعالجت سراعاً إشكالات ما بعد الاستقلال، وحسمت خياراتها السياسية والاقتصادية بشكل نهائي، وقضت على ما أسماه مالك بن نبي أوضاع (القابلية للاستعمار) وباشرت تنفيذ مهام النهضة، تاركة معظم الدول الآسيوية من حولها تضج في لغو قضايا الهوية، والإثنية، والصراع الديني، ومطالبات تقسيم الثروة التي لم تتحقق ولم تتراكم بعد، وهي القضايا الجدلية التي يهوى الحديث فيها، ويدمنه، مثقفو البلاد المتخلفة المتخلفين ثقافياً مثل شعوبهم!
انطلقت سنغافورة على التو في مضمار النهضة، تاركة البلاد الآسيوية المعطوبة بمثقفيها، من منقوصي الثقافة، غارقة في مشاكلها القديمة التي جرتها إلى مشاكل أوخم منها، مثل مشاكل الجريمة المنظمة، واستفحال أدواء المخدرات، والدعارة، والإتجار بالبشر، وتكاثر الأطفال غير الشرعيين، وتفشي البطالة، واتساع أحياء الفقر التي تتوالد فيها تلك الأوبئة والآفات.
الجهاد المدني السنغافوري:
لقد كان من شأن سنغافورة أن تعافت سراعاً من أمراض القابلية للاستعمار وأعراضها فور أن شدت المئزر، وانخرطت في حركة (الجهاد المدني) الحقيقي، جهاد التنمية، لا جهاد التصاخب بالشعارات والتنافس على مناصب الحكم.
وظل فيلسوفها العملي وأبوها الروحي لي كوان بو يشرف على وضع الخطط الكبرى الذكية المرنة، ويوجه البلاد نحو الإنجاز بغض النظر عن تفاصيل الآيديولوجيا والشعار، وسبق بهذا المنحى البراغماتيكي جاره زعيم النهضة الصينية الحالية، دنغ هسياو بنغ، الذي اشتهر لاحقاً بحديث لون القط الذي لا يهم (ولا يفرق!) طالما أنه قادر على اقتناص الفأر!
وهذا نمط من التفكير صحيح، ففي المقصد النهائي، يقاس أداء الدول في مسار التنمية وجهادها المدني الحقيقي، بارتفاع معدلات الإنتاج والنمو، والشعوب لا تأكل من الشعارات الخرقاء والمثاليات الجوفاء، وإنما تقتات من عائدات التنمية العملية المتزايدة بوتائر أسرع من معدلات نمو السكان وتسارع أقدار استهلاكهم.
كفاءة القطاع العام:
وفي هذا المدى انطلقت سنغافورة بعيداً عن النمطية السائدة، ولم تستورد نهجا تنمويا ولا سياسيا تلزم به نفسها. ولذلك انطلقت تؤسس لجهاز اقتصادي كفء، تملكه الدولة لا القطاع الخاص، وهو جهاز ضخم يضم المصانع، والمتاجر، والمساكن، والمستشفيات، والمدارس، والكليات، وخطوط الطيران، وشركات الاتصالات، ويحيط بالمجتمع ويستوعبه ويسبق نموه بالنظر المستقبلي النافذ.
ولا ينتظر وقوع مشكلة حتى يشرع في حلها، بِلْه أن يدعها تتمادى حتى تصبح كارثة، وإنما يتحسب لها قبل أن تقع بزمان طويل، وهكذا نجت سنغافورة من مشاكل تحتم وقوعها في بلا أخرى عرف سياسيوها ومخططوها، بقصر النظر وتقاصره، كسياسيينا ومخططينا (العشوائيين!) الذين لم تدلهم أي تجارب عمرانية قديمة أو متقادمة على ضرورة التحسب لمشاكل بدهية الوقوع مثل المرور، واتخاذ حلول لها، ما كانت لتكلف شيئا لو أنها اتخذت في الوقت المناسب.
أما في سنغافورة فهي مع ضيق مساحتها، واحتشادها بالخلق، فلا تكاد ترى فيها أثرا لاختناق مروري حتى في ساعات الذروة، ذلك أن سياسييها المتفرغين لقضايا التنمية لا لقضايا الصراع على كراسي الحكم، انتبهوا بدارا إلى خطورة مشكلة المرور، فصمموا الشوارع فسيحة واسعة، تنساب فيها حركة السير بلا تعثر ولا عناء، وشجعوا الناس على استخدام المواصلات العامة، وأغلوا أسعار السيارات الخاصة بالضرائب الباهظة بحيث يزهد فيها الناس رغم ثرائهم الملحوظ!
إعدام تجار المخدرات:
وانتبه هؤلاء السياسيون والمشرعون إلى ما تأتي به قضايا التنمية ، ويفرزه الثراء من مشاكل اجتماعية، وعلى رأسها إدمان المخدرات والتحلل والأخلاقي، فصنعوا حواجز هائلة دونها.
وفي مجال مكافحة المخدرات، مثلا، لم يجعل القانون السنغافوري للقاضي إلا من خيار واحد فقط، يواجه المدان بالاتجار بالمخدرات، وهو خيار الإعدام شنقا حتى الموت.
وجلد ابن الأكرمين الأمريكي:
وأما أدنى جريمة تهدد حالة السلم العام، فعقوبتها الجلد لا غير، وهل نسي الناس بعد قصة ابن الأكريمين، الأمريكي، الذي قام بإتلاف إحدى السيارت، في الشارع العام، وحكمت عليه إحدى محاكم سنغافورة بالجلد، ولم تبال حكومة سنغافورة بضجيج المجتمع الأمريكي، وضغوط حكومته، والجهود والوساطات الكثيفة التي استهدفت تغيير الحكم أو إلغائه، وأصرت على تنفيذه، وإن كانت قد خفضت عدد الجلدات.
وما كان إصرار سنغافورة على إمضاء حكم الجلد على الفتى الأمريكي الضال، إلا تعبيرا عن الحزم والعزم على الحفاظ على ضبط حالة الأمن والاستقرار، وذلك حتى لا يتجرأ شخص آخر، مهما كان، على الإفساد في الأرض وبث الفوضى وسط الناس.
وفي تصور حكام سنغافورة - وهم محقون في ذلك - فإن تقويض حالة الأمن يؤدي لزاما إلى تقويض الجهود التي يبذلونها في سبيل التنمية والعمران.
ولا تنمية ولا عمران بلا أمن متين مكين ركين!