تبلغ مساحة سنغافورة 692 كيلو مترا مربعا، أي أقل من مساحة العاصمة السودانية المثلثة . ويبلغ عدد سكان سنغافورة 4,4 ملايين نسمة. وقد بلغ إجمالي الإنتاج المحلي لسنغافورة للعام الماضي 2007م، 228 بليون دولار ( مقارنة بنحو 80 بليون دولار للسودان) وبلغ معدل إنتاج الفرد في سنغافورة للعام نفسه، 49 ألف دولار، ( مقارنة بنحو ألفي دولار للفرد في السودان) وبلغ إجمالي الصادرات السنغافورية لهذا العام 317 بليون دولار، ( مقارنة بنحو 9 بلايين دولار للسودان) . كما بلغ إجمالي الواردات 273 بليون دولار، ( مقارنة بنحو 7 بلايين دولار للسودان) . ووصلت حصيلة الاستثمارات الأجنبية المباشرة فيها إلى 189 بليون دولار.
ويتركز الاقتصاد السنغافوري على الخدمات والصناعة، وأهم الصناعات السنغافورية هي الإلكترونيات، والأدوات الكهربية، وأدوات حفريات استخراج النفط، وتكرير النفط، والصناعات المطاطية، والصناعات الغذائية، وإصلاح السفن. وقد بلغ إنتاج الكهرباء 36 بليون كيلوات يستهلك أكثرها ويصدر أقلها إلى الخارج، ( مقارنة بنحو 4 بلايين كيلوات هو مجمل إنتاج كهرباء السودان الذي لا يكفي للاستهلاك المحلي!)
ورغم أن سنغافورة عانت من متاعب التراجع الاقتصادي العالمي خلال الأعوام ما بين 2001 -2003م إلا أنها استعادت نمط نموها السابق خلال الأعوام الأربعة الماضية، فاتصل معدل نموها الاقتصادي بحوالي 7 % سنوياً.
كفاءة القطاع العام:
وهذه النجاحات الاقتصادية الفائقة ما كان لها أن تتم على أساس من أداء القطاع الاقتصادي العام، لولا قوة الحكومة السنغافورية، ونظافة أيدي ولاة الأمور هناك،، ولولا قوة الشعب السنغافوري ونظافته ووطنيته كذلك.
وفي ذلك برهان على أن القطاع العام ليس رمز الفشل الاقتصادي وسببه الأساسي بالضرورة. كما يقول البعض. فالقطاع العام يمكن أن يدار إدارة علمية مثالية تماثل إدارة القطاع الخاص، هذا إذا سمت ثقافة الشعب السياسية وطهرت ذمم قادته، فحينها يصيب الخير المجموع، ولا يخص أفراد النخب التي تتسارع لالتهام مصادر الثروة قبل أن تتكون، وإلا فكم من شركة عندنا قضى عليها الحكام ومحاسبيهم من الإداريين الفاسدين المفسدين وهي بعد في المهد؟!
لقد تكونت الثقافة السياسية عندنا، ويمكن أن نقول الثقافة الوطنية أيضاً، على الحس الفردي، والطابع الانتهازي، والتسابق نحو الغُنم العاجل لا الآجل. فليس عارا عندنا أن ينهب الموظف الكبير من أموال القطاع العام، وإن كان عاره في الحقيقة أعظم من عار سراق الليل، الذين يقفزون على بيوت الناس لسرقة مسترخص المتاع، فهؤلاء شرهم محصور مقصور على أضيق نطاق.
ومع أنك لا تكاد تجد أحداً يجادل ويحتج على تناول أيدي سراق الليل بالقطع، لكنك ترى وتسمع من الكثيرين من المثقفين وأشباههم ممن ينصبون الاحتجاج وراء الاحتجاج، ويجئيون بالشبهات تلو الشبهات، للدفاع عن سراق المال العام!
إن الكثيرين من مديري شركات قطاعنا العام، والمتنفذين فيها، لا يرون أن تلك الشركات هي مال الشعب ومجمل استثماره، ولا يرون أنهم مجرد أجراء اختيروا لإدارتها وتنميتها، ولا يظنون أنهم مسؤولون عن الخسائر التي يمكن أن تحيق بها!
وإنما يحسبون أن تلك الشركات إنما أنشئت خصيصا لخدمتهم هم، وخدمة أهليهم وأقاربهم، فوظائفها ليست معروضة في السوق الحر للأكفاء ممن يمكن أن يؤدوها باقتدار، ويؤسسوا لنجاح تلك الشركات، وإنما هي وظائف محتكرة لأهل المديرين والنافذين وأصدقائهم ومعارفهم، حتى ولو كانوا من أعجز العاجزين!
ولذلك فلا غرو أن تعجز شركات القطاع العام عن تحقيق ما أنيط بها من مهام، حتى ولو كانت كل أسباب الفوز الأخرى في صالحها، فقد ابتليت الكثير من هذه الشركات بقادة إداريين موبوئين بداء الفساد، والقائد الموبوء بداء الفساد هو إنسان ميت ضميريا، ولا يمكن أن نتوقع منه غيرة أواحتراقا من أجل إنجاح مشاريع القطاع العام.
التفسير الثقافي لا يكفي:
ومع وجاهة الدفع السابق، إلا أن تفسير الأمور بالعامل الثقافي وحده فيه تبسيط شديد في التحليل والتعليل. ولذلك فينبغي أن نبحث عن عوامل أخرى قد تجلي لنا وجه الظاهرة على وجه التفصيل.
وهذا ما ينبغي أن تنبري للقيام به عقول مدربة مختصة تبحث في دقائق الأمور، وتستجليها عن قرب، أقصد بذلك مراكز الأبحاث السياسية التي انتشرت في بلادنا أخيرا (كمودة!) ولم ينجز أي منها بحثا يؤبه به!
إن أساليب إدارة القطاع العام السنغافوري ربما انطوت على أسرار غير متاحة لنا، كانت هي سبب قوته وكفاءته، وهذه أسرار ينبغي أن نعرفها عن كثب، وهنا يمكن أن تبعث هذه المراكز، التي تدعي الإنتساب إلى البحث العلمي، بعض الباحثين النابهين الناضجين، إلى سنغافورة، في مهمة بحث علمي، محدد الإطار، ليأتوا لنا بما قد يكون السر الكامن الذي يفسر لنا سبب هذا النجاح المرموق، ويكون درسا لنا عسى أن تفيد منه سائر مؤسسات البلاد.
وحدة التحليل الصغيرة:
وهذه مهمة بحثية ضيقة المدى، يحبط جدواها حديث المثقفين المستفيض، المستطيل، المسترسل، الذي يشبه حديث الشعارات، عن ظاهرة النمور الاقتصادية الآسيوية، والنهضة الإقتصادية في الباسفيكي، والإنطلاق التنموي في جنوب شرق آسيا، فهذا حديث فضفاض لا يغني ولا يفيد، إلا على مستوى العبرة العامة، وقد كان!
أما من أجل اكتساب الفائدة العملية القابلة للتطبيق من تجارب هذه البلاد الناهضة، فلابد من حصر الوحدة التحليلية، وتحجيمها قدر الإمكان، وذلك حتى تقتصر مادة البحث على المطلوب فقط، ولا تتعداه إلى أحاديث المثقفين المرجفين.
أسئلة البحث:
والمطلوب في حالتنا هذه هو أن نعرف فقط، على وجه التحديد، كيف يدار القطاع العام السنغافوري بكفاءة عالية تحقق هذه الأرباح الطائلة التي استعرضنا طرفا منها في مطلع هذا المقال؟!
وهل للقطاع العام السنغافوري معايير موضوعية محددة، في شؤون التوظيف، والمتابعة، والمراقبة، والتقويم، والإثابة، والعقاب؟! وكيف تنفذ هذه المعايير على أرض الواقع هناك؟!
وما هو المصير الذي تواجهه الشركات الخاسرة، أو تلك التي لا تحقق نجاحا في حدود المطلوب؟! هل تلغى؟! أم تستبدل إدارتها بكادر جديد؟! وإذا ما ألغيت إحدى الشركات، فهل يكون إلغاؤها هو العقاب المناسب الذي يحيق بمنسوبيها؟! وبالتالي يحذر كل منهم من مثل هذا العقاب الساحق، ويتسابقون في التفاني في الإنجاز منذ البدء، ويتآمرون بالمعروف، ويتناهون عن المنكر، في مجال العمل الإنتاجي المثمر، ويضربون بأيديهم، ونعالهم، على أيدي الفاسدين، المفسدين، المهملين، المقصرين، وأقفيتهم؟
دعنا ننجز هذا أولاً:
إن الإجابة على هذه الأسئلة الملحة وأمثالها تسهم كثيراً في تفسير أسرار نجاح القطاع العام السنغافوري في تنفيذ ما أكل إليه من مهام النهضة بالإقتصاد، ولكن لا يعني ذلك أن تقتصر آفاق البحث العلمي المطلوب عليها وحدها، باعتبار أنها هي وحدها سر النجاح، فالنظام التعليمي السنغافوري الذي يزود هذه الإدارات بالكوادر المتفوقة، يستحق أيضا أن يكون موضوع بحث عميق منفصل.
ولكن دعنا ننجز البحث الأول وحده الآن، وذلك حتى لا نقع في محذور التعميمات التي تحدثنا عنها سابقا، وقلنا إنها قد تسطح البحث، وتخفي الحقيقة عن الأنظار.
وفي الحقيقة فإننا ما نبهنا في هذه السانحة إلى موضوع النظام التعليمي السنغافوري، إلا لنشير إلى أن التركيز على عامل وحيد، لا يمكن أن يهدي وحده لتقصي أسرار الموضوع، ولذلك فليكن هذا الموضوع عن النظام التعليمي السنغافوري، مشروع بحث مؤجل، ريثما تنجز لنا جهة علمية مسؤولة، الموضوع الذي طرحناه في البحث الأول، عن أسرار نجاح القطاع العام هناك، وقد تساعد نتائج البحث الأول وتوصياته في تحديد إطار هذا البحث الجديد.