 |
|
 |
 |
|
 |
الشيخ محمد عبد الكريم وآحاديث الإفك
أ.وليد الطيب
كاتب سوداني
2009-11-09
| |
رحم الله الزمان القديم، فقد كان للإفك حديثاً واحداً، فإذا هو اليوم آحاديث كثيرة، ولكن لا قرآن يتنزل ليبرئ ساحة الشيخ محمد عبد الكريم، مما رماهم من لا يعلم بما لا يعلم. وهدف هذه الكلمة، فض الاشتباك ، واختبار صدق مقالات الذين يرمون الشيخ محمد عبد الكريم بعدة تهم، منها: أنه تكفيري، ويحرض على العنف، ويهدد وحدة الوطن وأنه متطرف، وأنه يمالئ الحكومة السودانية ويجعل نفسه ذلولا ومطية للسياسيين من قبيلة المؤتمر الوطني.. وفي المقابل يدعي خصوم الشيخ محمد عبد الكريم؛ الحرص على الوحدة الوطنية، والسلام الاجتماعي والوطني، والدفاع عن الحريات العامة... ومن الاستعراض يتضح أنه هناك طرف أُلبس ثوب السواد الإنساني مرقع بكل القبائح الفكرية والإنسانية وهو الشيخ محمد عبد الكريم، وهناك طرف، صنع لنفسه صورة ملائكية بيضاء زاهية.. ولا أظن أن أحدا من العقلاء يمكن أن يؤمن أو يصدق بهذه الإطلاقية الفاسدة. أصل القضية حتى لا نغرق في شبر، تتلخص كل القضية في أن الشيخ محمد عبد الكريم أفتى بكفر الفكر الماركسي والحزب الشيوعي السوداني الذي ما يزال يتبنى هذا الفكر، والجزء الثاني من القضية وقوع اشتباك بين شيوعيين و شباب إسلاميين يوزعون بيانا للرابطة يتضمن هذه الفتوى، ولا يخرج مجمل القضية عن هذين الأمرين. من أين جاء الوصف بالتكفيري يعود نسبة الشيخ محمد عبد الكريم للتكفير في هذه القضية للصحفي إسماعيل آدم مراسل جريدة الشرق الأوسط بالخرطوم، في تقرير له عن هذه الحادثة في الشرق الأوسط بتاريخ 24-8-2009م، حيث وصف آدم الرابطة الشرعية للعلماء والدعاة بأنها "وتصنف – أي- الرابطة على أنها جماعة تكفيرية، تعمل في مواجهة أنصار الديمقراطية لليبرالية والشيوعيين والاشتراكيين، وهم خليط من السلفيين والإخوان المسلمين" ومن هذه الحيثية؛ وُصف الشيخ محمد بـ"التكفيري" ولتأكيد هذه التهمة بحثوا في تاريخ الرجل فوجده قد كفر الدكتور حسن الترابي من قبل، ووجدوا بعض الذين كانوا على هامش مسيرته قد انحرفوا وارتكبوا أخطاء فاحشة، فخرجوا من ماء حسن الظن عراة وهم يصيحون وجدتها وجدتها كـ"صيحة أرخميدس" وليتهم اكتشفوا القانون الصحيح والميزان الدقيقة في تصنيف الناس بميزان الاعتدال! لأن هذه الرابطة بهذا التكوين لا يمكن أن تكون تكفيرية ، إذ لا يستقيم ذلك إلا إذا كان كل الإخوان المسلمين والسلفيين هم تكفيريون أصالةً، لأنهم هم الذين يكونون هذه الرابطة على حد قول الصحفي إسماعيل آدم. وقد سأل كاتب الكلمة الأستاذ إسماعيل عقب مؤتمر صحفي للرابطة في قاعة الشارقة في رمضان المنصرم، على أي اساس وصفت الرابطة بأنها "تكفيرية" فقال "هؤلاء كفروا الترابي واستتابوا الصادق المهدي وكفروا الشيوعيين، فكيف لا يكونون تكفيريين، فالذي يكفر الناس تكفيري"!!! ولا أورد هذه المقطع للرد على الاستاذ خاصة ولكنه المنطق الذي يستعين به الجميع في إثبات هذه التهمة، وهو منطق يصلح في السوق ويصلح في نقد كرة القدم ولكن لا يعمل في الحقل الإسلامي أصلاً، فالقرآن الكريم كفَر جماعات كثيرة وبهذا المنطق فإن القرآن هو "كتاب التكفير الأول" في العالم وحاشاه. وحتى لا يذهب الناس بعيدا، فإن القول بكفر فرد أو طائفة، لا يتضمن إساءة لهذا الشخص أو سبة له، وإنما هو وصف حال، وهذا الوصف يقتضي من الواصف التمتع بالشروط الضرورية ليخرج التوصيف موافق ومطابق للمقتضي أو الموصوف، وفي حالتنا هذه الموصوف هو الحزب الشيوعي، فهل إدعى الحزب الشيوعي الإسرائيلي – وأعني الكلمة - يوما أنه حزب إسلامي؟ لم يدع ذلك الحزب الشيوعي الإسرائيلي ولا الحزب الشيوعي السوداني وكلاهما لا فرق بينهما في الإيمان بالماركسية وتجاوز الدين، وإقصائه بل ومعاداته، ولهذا كان من المعتاد أن يلتقي شباب الحزب الشيوعي السوداني مع نظرائهم شباب الحزب الشيوعي الإسرائيلي في البرامج والمؤتمرات الشيوعية العالمية. وإذا أقررنا بتشابه الحزب الشيوعي الإسرائيلي والحزب الشيوعي السوداني فإن الوصف بالديمقراطية أو الماركسية أو الكفر بالإسلام يسري على هذا وذلك. وفي الشريعة الإسلامية لا يعني إطلاق القول بتكفير طائفة كفر جميع أفرادها كما قرر ذلك الشيخ ابن تيمية رحمه الله، " قال السَّلف: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر، ومن قال: إنَّ الله لا يرى في الآخرة؛ فهو كافر، ولا يكفر الشَّخص المعيَّن حتَّى تقوم عليه الحجَّة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصَّلاة والزَّكاة واستحلَّ الخمر والزِّنا وتأوَّل؛ فإنَّ ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأوِّل المخطىء في تلك لا يحكم بكفره إلاَّ بعد البيان له واستتابته - كما فعل الصَّحابة في الطَّائفة الذين استحلُّوا الخمر -؛ ففي غير ذلك أولى وأحرى، ". وتكفير العلماء لبعض الأفراد ممن وقعوا في أفعال أو أقوال أو اعتقادات مكفرة مسألة معروفة، فقد كفر الإمام الشعبي الحجاج بن يوسف وكفر علماء السودان من قريب زعيم الحزب الجهموري محمود محمد طه، وكفر الامام محمد أحمد المهدي –الذي نفاخر به جميعا- رجالا كانوا من المعدودين من علماء الاسلام في السودان آنذاك. وتحقيق مناط التكفير لشخص معين مسألة علمية، يتحقق منها بأدوات شرعية معروفة، ويقوم بها العلماء الثقات، أو القضاء الشرعي. لأنه ما من دين إلا والتكفير الشرعي كان حارس لحدوده، وكما قال الدكتور جعفر الشيخ إدريس"دين لا تكفير فيه ليس بدين" لأنه سيكون منظمومة مفتوحة قابلة للتغيير باستمرار حتى ينتهي إلى صورة من الدين تختلف كليا عن الدين الأول، الذي نزل من السماء.. واليوم نرى أديانا بسبب التساهل في هذا الأمر، قد نسخت بالكلية وحرفت وبدلت، حتى أصبح رجال الدين فيها يستضيف الشواذ ويقومون بتكلمة إجراءات زواجهما، ومنحه بركة الرب، والرب قد أهلك من قريب قوم لوط. هل محمد عبد الكريم تكفيري؟ أصدر الشيخ محمد عبد الكريم في العام 1995م بيانا، بعنوان "التكفير الشرعي والتكفير البدعي" وفرق بين إطلاق الوصف بالكفر بضوابط إسلامية دقيقة وبين الوقوع في التكفير " من طرف" كما يفعل التكفيريون. وما يزال الشيخ محمد عبد الكريم يصلي خلف كل بر وفاجر من أمة محمد ويعيش بين الناس في حي شعبي بسيط، يأكل مما يأكلون ويلبس مما يلبسون، ويأوي في آخر المساء إلى بيت ملحق بالمسجد، كما يفعل غالب أئمة مساجد السودان التقليديون. كما إن الشيخ محمد عبد الكريم رغم العسف الذي أصابه من الحكومة من سجن طويل وحرمان من الصاحبة والولد والأم والوالد، فقد ظل على منهجه في إلتزام حدود الشرع في التكفير. وقد كفر الترابي لما استبان له إنكار معلوم من الدين بالضرورة ويشاركه في ذلك علماء كبار سواء اكانوا في السودان أو خارجه، ومنهم الدكتور جعفر شيخ إدريس الذي لا يجرؤ أحد على وصفه بالتكفيري. أين كان دعاة الحريات يوم كُفر الترابي؟ لو سلمنا جدلا بخطأ تكفير الترابي، فاليوم ارتفع صوت المنادي بالحرية يوم كُفر الحزب الشيوعي ولم نسمع هذا الصوت يومذاك، يدافع عن الدكتور حسن الترابي أمام غائلة الشيخ محمد عبد الكريم، فالتكفير هو التكفير، سواء أكان لحاكم أو محكم، لإسلامي أو ماركسي، وقد يكون في حق الذي ينتسب للإسلام أشنع وأخطر، وتدق له الأجراس! ولكن الواضح أن الموقف من قضايا الحريات، هو موقف منحول ومدعى، وليس موقفا مبدئي أصيل عن الذين يرفعونه الآن، ولو كان في سمت الأصالة لكانوا مثل محمد عبد الكريم في وضوحه وشجاعته، فقد كفر الترابي يوم كان الناس يفرون من أمامه في "تهتدون" ويسجنون أنفسهم في مخابئ سرية بإسم تأمين الكادر سنين عددا، حتى يخرجهم قادة جهاز الأمن والمخابرات ويخبرونهم أن الاتحاد السوفيتي سقط وتفكك وان الشيوعية سقطت رايتها وان "دار التقدم" لم تعد طبع البيان الشيوعي لماركس، الذي يقول عن الدين عندما قال بعضهم إن(الدين والأخلاق والفلسفة والسياسة والحقوق ظلّت قائمة ... وفوق ذلك هناك حقائق ثابتة مثل الحريّة والعدالة إلخ.. هي واحدة في جميع الأوضاع المجتمعية...) فرد البيان الشيوعي لماركس وانجلز (والحال أنّ الشيوعية تلغي الحقائق الثابتة، تلغي الأديان والأخلاق بدلا من تجديد تشكيلهما). وبذات هذه الأصالة يقف الآن الشيخ محمد عبد الكريم، وهو أكثر اعتدالا في فكره الإسلامي من أي وقت مضى من مسيرته الدعوية. وبذات المقدار دعاوى الحرص على الوحدة الوطنية التي يتهددها الشيخ محمد عبد الكريم، فعند التمحيص نجد أن محمد عبد الكريم بقي في وطنه في سنوات السودان العجاف، وليس لأهله الذين تربوا على المعيشة الحسنة سوى دقيق ذرة ، يغلونه في النار، ليكون طعامهم لأيام، ولم يصده شظف العيش ورهب السلطان من قولة كلمة الحق التي يعتقد، وبقي على منهج ابن آدم الأول بينما حمل الذين ينادون بالحريات اليوم -ومنهم الحزب الشيوعي ومنسبيه- السلاح ضد الوطن، وقاتلوا القوات المسلحة التي تحمي تراب الوطن وقتلوا من جنودها الأشاوس بالسلاح الأجنبي من قتلوا وأعاقوا مسيرة التنمية سنوات، وجرأوا على السودان حتى أرتيريا وتشاد الجارتين اللتين ما عرف لها عداء مع السودان إلا عندما حرشهما بنوه من دعاة الحريات! فأي الفريقين مهدد للأمن...؟ أما السلام الاجتماعي، فإن مسجد الشيخ محمد بالجريف يشهد على هذا السلام، فكل أبناء السودان بمختلف قبائلهم يصلون فيه خلف الإمام الذي ارتضوه حبا واحتراما ويحضرون دروسه طلبا وإقبالا دون إكراه أو ترغيب، وهو السلام الذي تحتاجه دارفور الآن. إن هدف هذه الحملة على الشيخ محمد يتجاوز الشيخ إلى تحريش الغرب على الإسلاميين السودانيين، وإلى محاصرة المفاهيم الإسلامية التي جاء بها الوحي. ألم أقل لكم، في مطلع هذه الكلمة: رحم الله الزمان القديم، فقد كان للإفك حديثاً واحداً، فإذا هو اليوم آحاديث كثيرة؟
|
 |
|
 |
|