دعيت إلى حضور برنامج اجتماعي لإحدى الروابط الثقافية الاجتماعية ، والعادة أن تبدأ مثل هذه البرامج بالتعارف وبالنسبة للروابط المحافظة أو الغالب على أفرادها التدين يكون الرجال بمعزل عن النساء ويبدأ الرجال برنامجهم أولاً قبل النساء لأن ظروف مثل وجود مكبر صوت واحد قد تقتضي ذلك .... ليس هذا بيت القصيد
ما إن قام ثاني عضو رجالي في الرابطة ليعرف نفسه قائلاً : أنا فلان الفلاني ، أعمل بكذا وعمري كذا ...لدي زوجة واحدة والثانية في الطريق وأوصي الرجال : من كان له واحدة فليثني ومن كان له اثنتان فليثلث ومن كان له ثلاثة فليربع ومن لم يتزوج بعد فليخبر خطيبته بأنه سيتزوج عليها !
هنا اندلعت الحرب وثارث ثائرة كل النساء وبعض الرجال ولا اعتقد وجود – إلا من رحم ربي – وأوشك برنامج الرابطة أن يتحول إلى حرب ضروس !
دُهشت من حدة النزاع ودٌهشت أكثر من أن بعض الرجال لا يملأ رأسه سوى النساء ومع ذلك كنت أتمنى أن يتم تناول الأمر بصورة موضوعية منطقية عادلة منصفة تستصحب الدين والعقل والعرف والواقع بدلاً من أن يصير الأمر حرباً كلامياً تعلو فيها موجات الغضب والاستنكار ولا يكاد طرف يحترم الآخر .
أتحدث ليس عن أهل الاستقامة فحسب بل أتحدث عن كل من يدين بالإسلام عقيدةً وشريعةً ، معنى الإسلام هو : الاستسلام لله بالذل والانقياد له بالطاعة والبراءة والخلوص من الشرك وأهله .... ومن كان لا يعرف هذا فليراجع دينه ولا يتحدث لا في التعدد ولا في غيره .
حقيقة معنى الإسلام ليست دعوة جماعة دون غيرها أو حزب دون نظيره بل هو مما هو انعقد عليه اجماع الأمة.
عند الفقهاء أن الحكم الشرعي لا يثبت إلا بدليل وأن الأصل في العبادات المنع والحظر أو بعبارة أخرى العبادات توقيفية أي وقف على الدليل الشرعي ....وحين يقول لك فلان من الناس : ( أن الله حللّ أو حرّم أو أوجب أو سنّ أو أحب هذا ..إلخ) فلتكن قاعدتك ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) أي ما هو دليلك على ما تقول أنه دين ؟؟؟ يقول أحد السلف :( إن هذا الأمر دين فأنظروا عمن تأخذون دينكم ) والمراد والله أعلم من هذه العبارة ما ذهبت إليه أعلاه من وجوب التثبت عند إطلاق الأحكام وذلك بالمطالبة بالأدلة الشرعية الصحيحة وأؤكد هنا على كلمة الصحيحة فكم من آية تُفسر خطئاً وكم من حديث موضوع ومكذوب ... والرجوع إلى الوحيين : الكتاب والسنة يجد فيهما الباحث عن الحق – وليس الأهواء وأماني النفوس وأحلامها – يجد مطلبه وبغيته والعلماء هم سراج الحق يضيئون به الطريق للحيارى والتائهين في دروب الغفلة والهوى والجهل .
ليس العلماء وحدهم هم مصدر العلم الشرعي وهذا من تيسير الله سبحانه على عباده فهم في الغالب لا يتوفرون ولا يتاحون لكل من يطلبهم ، لذا كان من هديه صلى الله عليه وسلم : ( بلغوا عني ولو آية ) ....( رب مبلغ أوعى من سامع ) ....كذلك صحّ أن الحق يؤخذ من الشيطان، فالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجب على كل مسلم بحسب الوسع والطاقة بخلاف الدعوة إلى الله بمفهومها الواسع الشامل .
مما ينبغي أن يدين به المسلم ديانةً لا يزعزها شك ولا ريب أن الشرع كمال .... الشرع كمال ...فما من شيء ثبت من الشرع إلا وفيه من الحكمة ما يبلغ حد الكمال علمنا تلك الحكمة أو جهلناها ....وعدم علمنا بالحكمة لا يعني انتفاء وجودها ...وهذه أيضاً حكمة ليعلم سبحانه من مِن عباده من يسلم بأوامره دون أن يطلب عليها تعليلاً أو إقناعاً ، قال تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيِّرة من أمرهم ) فدليل كمال الإيمان هو كمال التسليم ، قال تعالى ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجرَ بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً ) مجرد الحرج مرفوض ...فيا لحلم ربنا على من يعترض على بعض شرعه بل يحاربه وينادى بإلغائه ثم من بعد ذلك يدّعِي الإسلام ... ألا ما أسوأ الجهل وما أقبح الهوى ....نسأل الله الهداية لجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام .
عذراً على الإطالة لكنها توطئة لا بد منها ...نعود إلى التعدد ... وما أدراك ما التعدد كابوس النساء الرهيب الجاثم على صدورهن كما الموت ....وأعلم واحدة قالت لزوجها ( أسمع خبر موتك ولا أسمع خبر عرسك !) ....
التعدد دين .... التعدد شرع .... التعدد وحي ....التعدد كمال ....التعدد حكمة .... شئنا أم أبينا ...أقول هذا وأنا من جنس النساء ...أقول هذا وأنا غيورة جداً ....أقول هذا وأنا عاطفية جداً ....أقول هذا وأنا أحب زوجي ولا أحب أن يشاركني فيه حتى أهله فما بالكم بأن تشاركني فيه ضرة لكني ....لكني ...أحب ربي أكثر وأكثر وأكثر واسأل الله أن أكون صادقة في ذلك .
مفاهيم مغلوطة
ما تردده الزوجة وما تردده معها جُل النساء وربما أيضاً الرجال أن زواج الرجل على زوجته يعني وجود نقص أو عيب فيها .... هذا لن يكون صحيحاً على إطلاقه وربما حتى على تقييده .... لم يشرع الله سبحانه التعدد ليقول الزوج لزوجته أنتِ ناقصة لذا سآتي بغيرك لتكمل نقصك ....لا يقولها بلسانه ولا يعتقدها قلبه لأنه وببساطة لو أتى بكل نساء الدنيا فلن يخلين من نقص ..... ولا أقول مثل من يقول أن مجموع أربعة نساء نواقص يصنع امرأة واحدة كاملة يستحقها الزوج .... لن يكون هذا عدلاً لأن الزوج نفسه ناقص ومعيب ومقصر فكلنا بشر ولسنا من نور الملائكة .
شرع الله سبحانه وتعالى التعدد لغايات نبيلة ومرادات سامية ورسالات عظيمة أعظمها تكثير سواد أمة محمد صلى الله عليه وسلم .... ثم من بعد ذلك إحصان من فاتها قطر الزواج كما يزعمون ( من كبر سنها ....من لم يكن لها نصيب من الجمال ...من طُلقت ....من ترملت .....من كان بيت أهلها جحيماً لا يطاق ....من كاد الفقر يدفعها للفاحشة .... ) وغير ذلك كثير ، قال حبيبنا المصطفى ( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) ضعي نفسك مكان أخواتك ممن حكيت لك أعلاه بعض ظروفهن وأوضاعهن ، لا تكوني أنانية .... لا تدوري في فلك رغباتك وأهوائك فقط ...لأخواتك المسلمات عليك حقاً فآثري الباقية على الفانية.
الشرط الوحيد للتعدد هو العدل أما الاستطاعة فهي شرط حتى في زواج الواحدة فقط ، لكن لنعلم أن الباءة أمر نسبي العُمدة فيه تراضي الطرفين ، كذلك التعدد قد يكون الرجل لا يملك الاستطاعة الكافية لكن ترضى به الزوجة الثانية وذلك لموازنات تحسب حسابها هي بنفسها فمثلاً زوج فقير أفضل من العنوسة ....زوج لا يعطيها كل وقته أفضل من أن يخلو وقتها بالكامل من رجل وباختصار ما لايدرك جله لا يٌترك كله ...
قد لا ترضى الزوجة الأولى أن تقاسمها غيرها ما كان ملكاً خالصاً لها وربما يحق لها هذا لكن ما لا يحق لها أن ترفض شرع ربنا سبحانه الذي أباح للرجل أن يأتي بمن تشاركها فيه ....أضف إلى ذلك قد ترضى الزوجة الثانية بما هو فائض عن حاجة الأولى وليس هذا ظلماً أو جوراً أو نظرةً دونية للزوجة الثانية لكن كما ذكرت سابقاً هي مسألة موازنات .
أباح بعض العلماء أن تشترط الزوجة على زوجها أن لا يتزوج عليها ورفض بعضهم مثل هذا الشرط الي يسقط للرجل حق كفله له الشرع ومن بحث في المسألة بحياد وتجرد فلن يلام على أخذ إحدى الفتوتين هذا إن أقر العلماء بأن هذا الخلاف معتبر شرعاً.
لا ينبغي حين الحديث عن التعدد أن نردد عبارات مثل نصف وربع رجل فمن حق الزوجة أن بكون زوجها المعدد كاملاً معها في يومها وليلتها ، فقط هو نقص في الزمان – وربما بعض الماديات – لكنه ليس نقصاً في الرجولة بحال من الأحوال
إن اشترطت الزوجة في عقد الزواج أن لا يتزوج عليها زوجها ووافق الزوج لكنه نقض شرطه هذا بعد الزواج فهناك من يقول أن العقد بطل لسقوط بعض شروطه لكن بعض المذاهب ترى أن العقد يصح ويبطل الشرط ....ورأيي الشخصي أن تتريث الزوجة في طلب الطلاق فلتنظر نظرة بعيدة نحو المستقبل هل الأفضل لها نصف أوثلث أو ربع زوج – مع بطلان هذا القول – هل الأفضل لها هذا أم العدم ؟ فوجود زوجها الحالي أمر قائم وموجود ....ووجود زوج آخر أمر محتمل ، والموجود مقدم على المحتمل ...
إن كانت الزوجة شديدة الغيرة وربما تؤدي بها غيرتها هذه إلى هضم كل أو بعض حقوق الزوج الشرعية فالذي أراه – والله أعلم – أن الطلاق أفضل ، فالزواج ليس إشباع رغبات بل هو أمر تعبدي إن فقدت فيه بوصلة النية اتجاهها وخالفت السفينة طريق النجاة فمغادرة السفينة حينها هو النجاة.
تردد النساء وربما الرجال أيضاً أن من تطلقت بسبب زواج بعلها عليها هي امرأة غبية لا سيما إن كان لديها أطفالاً ، وأرى أن هذا ليس خللاً في المفاهيم فقط بل خلل في العقيدة أيضاً فالزواج رزق وواهب الرزق هو الله عزوجل وليس حسابات عرف فاسد ومجتمع جاهل .... حتى الأخذ بالأسباب ، ما من سبب أقوى من الدعاء دعاء المطلقة بيقين وإلحاح أن يخلف الله عليها خيرا وأن يُجِرها في مصيبتها وأن يرزقها من هو أفضل ممن فقدته.
( أيما امرأة طلبت من زوجها الطلاق دونما بأس لم ترح رائحة الجنة ) هذا هو معنى الحديث الذي ثبتت صحته ، والمراد هنا البأس الشرعي وليس تمرد الزوجات وكفرانهن العشير .... وقد يكون الضُّر بأس شرعي في بعض الحالات ذكرنا مثالاً لذلك في الزوجة الغيور حتى العمى.
في المقابل هناك من النساء من تلوم من تطلقت بسبب زواج بعلها عليها ، تلومها قائلةً ما هو ذنب الأطفال ؟؟؟ هذا السؤال يُوجه للزوجين معاً وليس للزوجة فقط فالرجل لم ينظر إلى أطفاله وهو يعلم أن زوجته ستفارقه لا محالة إن تزوج عليها فلا ينبغي أن يقع اللوم على الزوجة وحدها .....والذي أقوله في هذه الجزئية أن هذا اللوم لا ينبغي أن يكون على أطلاقه فالله سبحانه حين شرع التعدد لم يشرعه ليكون سبباً في دمار الأسر لكن الناس أنفسهم يظلمون .... حين ترفض الزوجة التعدد تكون هي التي دمرت أسرتها بصورة أو بأخرى هذا إن سلمنا بأن الطلاق دمار للأسر.
مواصلةً للنقطة أعلاه ...أحل الله سبحانه الطلاق مثلما شرع الزواج ولن يحل الله سبحانه أمراً إلا وهو غاية في الكمال ولو بدا ظاهره بخلاف ذلك و ( أبغض الحلال عند الله الطلاق هو حديث موضوع ) فلن يكون الحلال بغيضاً بحال من الأحوال كيف ذلك وهو دين !!!! ....الزواج تكوين لأسرة ينبغي أن يسعد فيها الجميع ... الزوجة والزوج والأطفال ....لكن أن تكون سعادة أحد الأطراف على حساب الآخرين فهذا هو الظلم ...
حديثي أعلاه لا يعارضه أن يرضى بعض الأطراف بالتضحية – من نفسه وليس مجبراً – يضحي من أجل الآخرين ، تنذر المرأة بقية حياتها دون زوج كيلا تدخل على أطفالها رجل لا تدري كيف هو صانع بهم.
على المطلقات سواءً بسبب الضُّر – ربما لا تصح هذه المفردة شرعاً- أو بسبب غيره عليهن أن لا ييئسن من روح الله فهذا فعل الخاسرين ، عاقبة الصبر دوماً خير، ومثلما هناك مطلقات هنالك مطلقين ومثلما لديك أولاد تتمنين أباً ثانية يتقِ الله فيهم هنالك من له أولاد يتمنى أن يجد لهم أماً ثانية تتقِ الله فيهم ...
الزواج شرع ....الطلاق شرع ....التعدد شرع ... وربك لا يظلم أحداً
تنكح المرأة لمالها – فلا يعاير المجتمع رجلاً شهماً ( وليس ضعيفاً استغلالياً) دعته ظروفه إلى أن يبحث عمن تعينه بمالها ، ورحم الله خديجة رضي الله عنها حين أعطت رسولنا الحبيب كل تجارتها وهي بذلك تطلب أغلى وأعلى مكسب الارتباط بسيد البشرية ..... وما فائدة المال لإمرأة فقدت السكن والأمومة وفقدت صبية يتضاغون تحت أقدامها ينادونها : ماما ...ماما
تنكح المرأة لجمالها فلا يعاير المجتمع من طالب بهذا المطلب لكن يجب على هذا المجتمع أن ينصح من يتزوج لأجل الجمال فقط ولو فسد الدين قال حبيبنا المصطفى ( إياكم وخضراء الدمن ...قلنا: من هي يا رسول الله ، قال : المرأة الجميلة في المنبت السوء).
تنكح المرأة لحسبها ونسبها ، لكن أيضاً ليس على حساب الدين .
الأحق بأن تنكح ويطلبها كل الرجال هي ذات الدين ولو خلت من المال والجمال والحسب والنسب ، لكن إن اجتمع إلى الدين الجمال والمال والحسب فتلك حسنة الدنيا.
مثالب الرجال في التعدد لا ينبغي أن تقود بها النساء مظاهرة تندد فيها بالتعدد فسوء التطبيق لا يعيب أصل التشريع ...
أخيراً هي دعوة للنساء والرجال معاً دعوة للتبصر بنور العلم الشرعي قال الإمام أحمد بن حنبل ( العلم بنيته لا يعدله شيء) .... هي دعوة لتحكيم العقل الذي شرف الله سبحانه به الإنسان .....هي دعوة لإقامة العدل ونبذ الظلم ...العدل الذي ينصر به الله سبحانه الدولة الكافرة على الدولة المسلمة ..... هي دعوة لتربية النفس وحملها على المثل والقيم ومنها الإيثار وحب الآخرين .....هي دعوة لتفتح الآفاق وتوسعة المدارك والنظر بعمق دون ضحالة وسطحية .......هي دعوة لاحترام ديننا
هي دعوة للتأدب مع ربنا – سما في علاه وجلّ في سماه.