تخلف مشروع النهضة بفعل محاولة الإجهاض من الداخل التي تعرض لها التيار الثقافي الرئيس، حيث أريد له الإقصاء من التجسد في صيغة معاصرة للحياة العامة في السودان، على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكافة المستويات

" /> شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

التنوع الثقافي وسؤال النهضة

 

أ.وليد الطيب
كاتب سوداني

2010-01-13

هذا العنوان مستعار من كلمة قدمها المفكر القطري الدكتور جاسم سلطان في منتدى مدارسات بمنزل  الدكتور غازي صلاح الدين السياسي السوداني والمفكر المعروف.
وقد خلص سلطان إلى إن مكونات الثقافة/الهوية تظل مستكنة ومتوارية ، حتى إذا استنفرت أو استفزت تحولت لخطوط ملتهبة تفصل بين الشعب في الدولة الواحدة وبين الدول في الحضارة  الواحدة. واقترح جاسم سلطان أن يحول مبدأ الاعتراف بالتنوع الثقافي إلى إجراءات وسياسات.
قد يكون ما اقترح د. جاسم منطقيا ومقبولا في حالة الاعتراف بوجود ثقافة مركزية بهدف معالجة وضع الثقافات الأخرى في إطار قانوني ودستوري واجتماعي في الدولة..
وقضية التنوع الثقافي قديمة جدا ولكنها اتخذت هذا المصطلح لاحقا وأحسب  أن لعالم الاجتماع ديفيد ليفي اشتراوس دورا كبيرا في سك هذا المصطلح، وهو مغرٍ جدا لسهولته وكذلك لظلال التي يطبعها على عقل السامع ووجدانه، ولكنه أيضا متسع جدا بحيث لا يمكن الإمساك به وتحديده تحديدا دقيقاً، وذلك لأن الثقافة نفسها تعرف في العادة تعريفات واسعة جدا، حتى لا تكاد جزئية من الحياة تفلت من أن تكون مظهرا ثقافيا أو أداة ثقافية أو مكونا لثقافة أمة من الأمم، كما في تعريف تيلور المشهور للثقافة  بأنها "ذلك المركب الكلي الذي يشتمل على المعرفة والمعتقد والفن والأدب والأخلاق والقانون والعرف والقدرات والعادات الأخرى، التي يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في المجتمع"..
ونقبل أن يكون التنوع الثقافي هو تعبير عن اتجاهات البشر المختلفة والمتنوعة بل والمتباينة في التفاعل مع الحياة، وبهذا المعنى فإن التنوع الثقافي يكون دائما في حالة صيرورة وتغيير، لأن صورة التفاعل مع الحياة نفسها في تغير مستمر، فمثلا كانت اللغة السائد في السودان الشمالي والأوسط هي اللغة النوبية، وطقوس الدينية الشعائرية كانت الترانيم المسيحية والابتهالات الكنسية بجانب عبادة آمون رع، وبدخول العرب وتسربهم على مدار قرون طويلة قبل الإسلام وبعده، تقدم اللغة العربية وتراجعت اللغة النوبية وانحصرت في الأجزاء الطرفية في السودان، والتنوع هنا تغيير نوعا ومقدارا تبعا لتغيير الثقافة، سواء كان التغيير بالقوة أو بالسلم.
 وكان التنوع الثقافي وتطوره نحو الإسلام والعروبة سلما في حالة السودان، فالبطولة اليعربية الإسلامية صدت في شمال البلاد عند الحدود مع مصر، وتوقفت مسيرة الفتح لأرض النوبة ، واختار المسلمون أن يصالحوا النوبة على شروط فيها أخذ وعطاء بين الطرفين، عرفت تلك المصالحة باتفاقية البقط، وقد سمحت الاتفاقية للمسلمين والعرب بدخول بلاد النوبة مسافرين غير مقيمين، وقد التقى هذا التيار الثقافي المتنقل بالتيار الثقافي العربي المتوطن في بلاد السودان وسهولها، وتصاهر هذان التياران مع الثقافة المحلية وتفاعلا حتى أنجزا في نهاية المطاف أكبر تغيير ثقافي سلمي لصالح الثقافة الإسلامية العربية، واتخذ السودان هذا الوجه وأخذ يتعمق إنتمائه الثقافي والحضاري يوما بعد يوم.
وأخذت الصيغة الثقافية الجديدة بكل ما فيها من محاولات السياسية واقتصادية ودينية في إعادة تشكيل السودان وتوسيعه، وهو ما لم تفعله الممالك السودانية القديمة، رغم طابعها المشترك الوثني  ثم سمتها النصراني المشترك أيضا، وكأن الثقافة الإسلامية العربية كانت عامل تجميع توحيد وتوسيع أفقي وإعلاء رأسي لسلم القيم والرسالة في الحياة.
وتحولت هذه الثقافة إلى ثقافة مركزية ، تمثل التيار الرئيس للأمة وهذا البلد وجانب هذا التيار الرئيس بقيت لمئات السنين ثقافات سودانية أخرى ، تعيش وتحيى وتقدم لأصحابها رؤية خاصة للحياة والكون وعلاقة الإنسان بالإنسان، ويعبر أصحابها عن هذه الرؤية في فنونهم السمعية والبصرية واليدوية، ولكن لم تقو على تغيير التيار الرئيس أو دفعه للتراجع عن الامتداد والتقدم في أراض جديدة كل يوم، بل اضطرت هذه الثقافة بفارق الثراء الثقافي والغنى المعرفي أن تتفاعل بل وتستعير وتندمج بدرجة من الدرجات مع التيار الرئيس.
والسؤال: لماذا تخلف مشروع النهضة إذن؟
تخلف مشروع النهضة بفعل محاولة الإجهاض من الداخل التي تعرض لها التيار الثقافي الرئيس، حيث أريد له الإقصاء من التجسد في صيغة معاصرة للحياة العامة في السودان، على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي وكافة المستويات، فأصبح هذا التيار يحتل وجدان الشعب ولكن يغيب عن واقعهم، فحُيِّد الناس من العمل والاجتهاد والإبداع من أجل النهضة ومشروعها، لأنهم أجبر على تقليد نموذج غريب عن وجدانهم وتصورهم للحياة.. وشرط النهضة لكل لأمة من الأمم أن تنتج نموذجها الحضاري بناء على محمولها  الثقافي، وهذا ما فعله الأمريكيون وهو يعبرون الأطلس من قارة أوروبا العتيدة، فصنعوا حضارة ضخمة بناء على ثقافته وعقيدتهم البروتستانتية وتاريخهم الاجتماعي الأوربي البيض في نسخته الأنجلوساكسونية، وهو ما فعله الأوربيون في القرون الوسطى حيث استلهموا تراثيهم اليوناني والمسيحي في مشروع النهضة.
وكل نذر الفناء والدمار التي تلوح فوق رأس الحضارة الأمريكية، والتي يحذر منها العلماء – ومنهم صمويل هنتنغتون صاحب نظرية صراع الحضارات- جاءت بالنظر إلى تخلي الأمريكيون المعاصرون لقيم ثقافتهم الرئيسية، حتى أن هنتنغتون قال بصريح العبارة إن بقاء أمريكا إمبراطورية ضخمة وحضارة مؤثرة حتى 2020 في ظل التخلي عن القيم المنبتة للحضارة الأمريكية ، يصبح معجزة من المعجزات. ويقترح صمويل - بمسؤولية المفكر تجاه أمته- أن يعود الأمريكيون للتمسك بهويتهم القديمة البروتستانتية الأنجلوسكسونية.
وهناك ، في هذا البلد وفي كل بلد ، لأبد أن تعود الشعوب لتمسك بهويتها الوطنية حتى تحمي نفسها من الذوبان في النموذج المفروض عالميا ولتؤسس مشروعها النهضوي الخاص ، لتشارك العالم  صناعة حضارة أكثر إنسانية وأليق بالإنسان الذي يريده الله.
إن قضية تأسيس تيار رئيس للدولة/الأمة، لهي شرط جوهري في إدراك الذات وصناعتها ، وينبغي أن يطالب بل ويعمل لها صراحة وبكل قوة ، عملا لا تراخي معها وبحسم لا تردد فيه.



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team