 |
|
 |
 |
|
 |
كم في الاستخارة من خير
عبد العليم صديق حاج علي
2010-02-09
| |
كثيراً ما تعرض للمرء أموراً يحتار أيها يختار أو أيها يقدم على الأخرى، والسبب في ذلك هو علم العبد القاصر بعواقب الأمور ومآلاتها إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وكان من تشريع الله علام الغيوب لعباده: أن يسألوه ويدعوه ويطلبوا منه الخيرة لاسيما في الأمور التي لم ييتبين لهم في أي تكون المصلحة الراجحة. الاستخارة: إنها الرضى والسكينة والطمأنينة؛ كيف لا وقد وكَلَ العبدُ العلم إلى عالمه وفوّض الأمر لخالقه، من يعلم ما كان وما لم يكن وما سيكون، إنه بكل شئ عليم. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: (إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أسْتَخِيركَ بعلمكَ، وأسْتَقْدِرُك بقدرتكَ، وأسألُكَ من فَضْلك العظيم؛ فإنك تَقْدِر ولا أقْدِر، وتَعْلَمُ ولا أَعْلَم، وأنت عَلام الغيوب، اللهم إن كنتَ تعلم هذا الأمر - ويسميه باسمه- خيرًا لي في دِينِي ومَعاشي وعاقِبة أمري، فاقدُرْهُ لي ويَسِّره لي وبارك لي فيه، اللهم إن كنتَ تَعْلَمْهُ شرا لي في ديني ومَعاشي وعاقبة أمري، فاصْرِفْنِي عنه، واصرفه عنِّي، واقْدُرْ لي الخير حيث كان، ثم رَضِّني به) رواه البخاري. إنّ هذه الاستخارة أمرها عظيم، وفضلها جليل، ولنر بعضا من تلكم الحِكم: أولاً: عِظم مكانتها: وذلك يتبين في قول جابر رضي الله عنه: "كان ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن" قال ابن حجر ـ رحمه الله _ "قوله (كما يعلمنا السورة من القرآن) وفي رواية (كالسورة من القرآن) قيل وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلها الى الاستخارة كعموم الحاجة الى القرآن في الصلاة ..." ثانياً: أنها عبادة فيها امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثالثاً: فيها تفويض الأمر والتوكل على الحي الذي لا يموت، القدير العليم. رابعاً: اعتراف العبد بضعفه وكمال قوة ربه وتمام علم سيده (فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب)، وإذا اجتمع اعتراف العبد بالتقصير وأقرّ لسيده بصفات الحمد والمدح وإفراده بذلك، فذلك من أحبِّ أنواع التقرب لله عز وجل وهذا مظنة إجابة الدعاء كما في دعوة المكروب: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)، وكما في دعاء سيد الاستغفار (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني ... أبو لك بعمتك علي وأبو بذنبي). وفي الدعاء باسم الله الأعظم :( اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله ... أن تغفر لي) وغيرها من النصوص الدالة على هذا الأمر كثير. خامساً: التوجه لله بأن يصرف عنه شر هذا الأمر، وأن ييسر له خيره وفي هذا إخلاص دعاء واعتراف باختصاص علم الله سبحانه وتعالى بالغيب وقدرته على كل شيء كما قال ابن حجر: فيه "الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد وَالْمُسْتَخِير مُحْتَاج لِذَلِكَ... وَالسِّرّ فِيهِ أَنْ لَا يَبْقَى قَلْبه مُتَعَلِّقًا بِهِ فَلَا يَطْمَئِنّ خَاطِره . وَالرِّضَا سُكُون النَّفْس إِلَى الْقَضَاء". سادساً: سؤاله عز وجل بأنّ يهبه الرضا في هذا الأمر المقدر على العبد. إنّ الإنسان ـ بطبيعته ـ يميل لأحد الأمور ويتمنى أن يقع له ما يهوى، ومن طريف ما يروى في هذا الأمر أنّ أحد العلماء يروي قصة أحد الناس بأنه دعا في بعد صلاة الاستخارة فقال: "... وإن كان هذا الأمر شر لي فاجعله لي خيرا واقدره لي"! ولكن لا بد للعبد أن يوقن بأنّ الله عز وجل قد اختار له الخير، قال عبد الله بن عمر : "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيسخط على ربه، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خار له" بعض الفوائد والأحكام مهمة من حديث الاستخارة ـ من فتح الباري ـ • هل يُستخار في كل الأمور: "فَإِنَّ الْوَاجِب وَالْمُسْتَحَبّ لَا يُسْتَخَار فِي فِعْلهمَا وَالْحَرَام وَالْمَكْرُوه لَا يُسْتَخَار فِي تَرْكهمَا، فَانْحَصَرَ الْأَمْر فِي الْمُبَاح وَفِي الْمُسْتَحَبّ إِذَا تَعَارَضَ مِنْهُ أَمْرَانِ أَيّهمَا يَبْدَأ بِهِ وَيَقْتَصِر عَلَيْهِ. وَيَتَنَاوَل الْعُمُوم الْعَظِيم مِنْ الْأُمُور وَالْحَقِير، فَرُبَّ حَقِير يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الْأَمْر الْعَظِيم" • مايُفعل بعد الاستخارة: قيل "يَفْعَل بَعْد الِاسْتِخَارَة مَا يَنْشَرِح بِهِ صَدْره، وَالْمُعْتَمَد أَنَّهُ لَا يَفْعَل مَا يَنْشَرِح بِهِ صَدْره مِمَّا كَانَ لَهُ فِيهِ هَوًى قَوِيّ قَبْل الِاسْتِخَارَة"بل يَقِدم على الأمر فإما أن يتيسر له أو يُصرف عنه. • لا يستخير أحد عن أحد. • إن صلى أي ركعتي راتبة فهل تجزئ في الاستخارة:"إِنْ نَوَى تِلْكَ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا وَصَلَاة الِاسْتِخَارَة مَعًا أَجْزَأَ بِخِلَافِ مَا إِذَا لَمْ يَنْوِ"
خاتمة: إنّ اعتماد العبد على الله عز وجل من علامات الإيمان وكماله، فالاستخارة فيها رضاً بالله رباً مدبراً ومعيناً. وفي الاستخارة كما قال ابن أبي جمرة "جمع بين خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَيَحْتَاج إِلَى قَرْع بَاب الْمَلِك، وَلَا شَيْء لِذَلِكَ أَنْجَع وَلَا أَنْجَح مِنْ الصَّلَاة لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيم اللَّه وَالثَّنَاء عَلَيْهِ وَالِافْتِقَار إِلَيْهِ مَآلًا وَحَالًا". فتح الباري. "وَفِي الْحَدِيث شَفَقَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته وَتَعْلِيمهمْ جَمِيع مَا يَنْفَعهُمْ فِي دِينهمْ وَدُنْيَاهُمْ ... فَإِنَّهُ يَجِب عَلَى الْعَبْد رَدّ الْأُمُور كُلّهَا إِلَى اللَّه وَالتَّبَرِّي مِنْ الْحَوْل وَالْقُوَّة إِلَيْهِ وَأَنْ يَسْأَل رَبّه فِي أُمُوره كُلّهَا العون والتوفيق"
|
 |
|
 |
|