كنت أول عهدي ومازلت إذا شاهدت قطاطي القش في مدينة القضارف (شرق السودان) وما حولها, كنت أتعجب كيف أن هؤلاء الناس لا يفكرون في المستقبل, أحياء كاملة من القش, بل مدن كاملة, وكنت أظن أن وراء ذلك فلسفة ما تتعلق بعدم تشبت هؤلاء الناس بالدنيا, وكنت ربما عزوت صنيعهم هذا إلى الفقر وعدم المقدرة على البناء الثابت, وهكذا.
الواقع أن الناس في مدن القش هذه يستخدمون ما يجدونه في بيئتهم الطبيعية, هم يرتبطون عضوياً بهذه البيئة ولا يتكلفون ما لا يجدون, هذا سلوك مطرد في كل تفاصيل حياتهم, طعامهم, وملبسهم, وزينتهم وأدواتهم وغير ذلك.
ثم ظهر الآن عالمياً أنصار فن العمارة الجديدة المعروفة اصطلاحاً بعمارة التعشيق أو التثبيت. فقد وضعوا تصميمات لمدن كاملة تقوم على فكرة ( العمارة الزوالية ), وهي فكرة تنطلق من ثقافة التخلص من القيود والأشياء, والتوسع في ابتكار الأبنية غير الدائمة.
في تصمميها الداخلي تنطلق البنايات الحديثة من ذات التصور, فبعض العمائر السكنية, كل جدرانها وحجراتها قابلة للنقل, يمكنك بمفك تغيير كل التقسيمات والتصميمات الداخلية لشقتك أو بيتك كما تشاء, يمكنك خلق شكل جديد تماماً لشقتك و بيتك.
وبهذه الطريقة يمكننا أن نجعل الأجزاء الداخلية كلها تكون قابلة للفك والتركيب حسب الحاجة والمزاج.
وهكذا تعود أغني الحضارات وأكثرها تفوقاً إلى استعارة أساليب أفقر البيئات وأكثرها عوزاً في التصميم المعماري غير المعقد, وربما نشهد غداً أسلوباً في الحياة الحديثة يكون أقرب للحياة الطبيعة واستخداماً للمواد المحلية, وأكثر ارتباطاً بالبيئة والأشياء على نحو ما تصنع حضارتنا المحلية.