خيرية أمة الإسلام الخاتمة، كانت في قيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)..وقد نص القرآن على اعتبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم صفات الحكومة الإسلامية، مثله مثل إقامة الفرائض الركنية سواءاً بسواء (الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)..
ومن مزايا الحضارة الإسلامية أنها أبدعت لهذا الواجب نظاماً وظيفياً في صلب نظام الدولة..فقد اهتمت الدولة الإسلامية بتخصيص هيئة إدارية للاضطلاع به (ديوان الحسبة)، وتعيين أفراد للقيام بواجبات الاحتساب (المحتسبون)..الذين هم من أهل العلم والدعوة، وجعلت لهم الحق في الاحتساب على جميع الناس، بما فيهم الأمراء والحكام أنفسهم!!..
وتلك تفاصيل فقهية مبسوطة ومفصلة في كتب الأحكام السلطانية، مثل كتاب (الطرق الحكمية في السياسة الشرعية) للإمام ابن قيم الجوزية، وغيره من الكتب..
ومن أمراض عصور الانحطاط أن تتحول الأصول الشرعية إلى أشكال ميتة، وتنتهي النظم إلى مجرد رسوم خاوية..وهذا ما أصاب (الحسبة) في كثير دول المسلمين التي اهتمت بأحياء هذا النظام..والسودان واحد من تلك الدول التي أحيت الحسبة..وأماتتها في نفس الوقت!!..
وفي شأن الحسبة في السودان، هناك جهتان بحاجة لمن يحتسب عليهما..هما (الدولة)، و(العلماء)!!..
لقد سنت الدولة في تسعينات القرن الماضي قانوناً لضبط الشارع العام هو (قانون النظام العام)، وكان ذلك نقلة نوعية نحو ترقية المجتمع، ولكن قبل أن ينهض قانون النظام العام على رجليه، أجهضته الدولة!!..ابتداءاً عندما لم تهتم باختيار الكوادر المؤهلة للقيام بالاحتساب في ظل ذلك القانون من الدعاة وأهل العلم والاستقامة، وأوكلته لكادر الشرطة العادي، وكان ذلك مدخلاً نفذ من خلاله أهل الأغراض الخبيثة لإجهاضه..وثانياً حين استجابت للحملة الشعواء التي شُنّت عليه من قبل العلمانيين، بل حتى بعض الإسلاميين!!.. ورغم الدفوعات القوية للمسؤولين آنذاك، قامت بإلغائه، بدلاً من معالجة الأخطاء وإصلاح جوانب القصور!!.
بعد قانون النظام العام ظلت الحسبة موجودة في جسم الدولة اسماً فقط، فهناك (ديوان الحسبة والمظالم)، ولكن دون أثر واضح في حياة المسلمين من أهل هذا البلد..اللهم إلا بعض الإشراقات التي تحصل بين الفينة والأخرى، ولا تسلم من سهام المغرضين..الشارع في أسوأ حالاته..لبس فاضح..و(ربا) في قارعة الطريق..مناظر خادشة للحياء في الحدائق الخضراء التي فرشت في الطريق العام ..إلخ..
ثانياً العلماء..وأخص بالذكر الهيئة الرسمية المعترف بها في الدولة (هيئة علماء السودان)..ومع وافر التقدير والاحترام للقامات العلمية في تلك الهيئة الموقرة، ولكن الغيرة على العلم وأهله تدفعنا لأن نقول كلمات في حقهم نبتغي بها وجه الله تعالى..فالهيئة قصرت في واجبات كثيرة، وتسببت في أن تكون غرضاً لسهام الكثيرين ممن لا خلاق لهم ولا دين من أهل السياسة والصحافة..
قصرت الهيئة في الاحتساب على الدولة في جوانب القصور – التي أشرنا إلى بعضها-، وركزت على إصدار بيانات (المناصرة) أكثر من (المناصحة)، فاستغل أعداؤها ذلك الأمر ليشغبوا عليها برميها بأنها أداة من أدوات الدعاية للدولة!!.
قصرت الهيئة في رفع صوتها بالرد على المتطاولين على أحكام الشريعة، من أدعياء الفكر والاجتهاد، فوجدوا المجال مفتوحاً للقول على الله بغير علم؛ في (الربا) و(الميراث) و(أحكام المرأة المسلمة) و(أحكام الإمامة) وغيرها..نعم هناك جهود من الهيئة ومن بعض علمائها، ولكنها لم تجتهد في نشرها لتكون بمستوى المؤسسة العلمية الأولى في البلاد.
قصرت الهيئة في حماية عامة المسلمين من الممارسات المحرمة التي تتسرب كل يوم إلى الممارسة العلنية في الحياة العامة، على سبيل المثال (الربا) المنتشر في الطرقات باسم (بيع الفكة)، لم تصدر للهيئة فتوى أو بيان واحد يُبيّن تحريم هذا النوع من (ربا الفضل) ويدعو الدولة إلى منعه!!..
العلماء والحكام..هم سبب صلاح الأمم أو فسادها..فإن اضطلع العلماء بالواجب كما ينبغي، واحتسبوا على الحكام، انصلحت الدولة، وإن انصلحت الدولة انصلحت الرعية، وإن حصل العكس كانت النتيجة مثله..
يا معشر العلماء يا ملح البلد *** من يصلح الملح إذا الملح فسد