روى مسلم في كِتَاب الْقَدَرِ بَاب (فِي الأَمْرِ بِالْقُوَّةِ وَتَرْكِ الْعَجْزِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْمَقَادِيرِ لِلَّهِ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا؛ وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ).1
وَالْمُرَاد بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَة النَّفْس وَالْقَرِيحَة فِي أُمُور الْآخِرَة فَيَكُون صَاحِب هَذَا الْوَصْف أَكْثَر إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوّ فِي الْجِهَاد وَأَسْرَع خُرُوجًا إِلَيْهِ ، وَذَهَابًا فِي طَلَبه، وَأَشَدُّ عَزِيمَة فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر وَالصَّبْر عَلَى الْأَذَى فِي كُلّ ذَلِكَ وَاحْتِمَال الْمَشَاقّ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى، وَأَرْغَب فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْأَذْكَار وَسَائِر الْعِبَادَات، وَأَنْشَط طَلَبًا لَهَا، وَمُحَافَظَة عَلَيْهَا، وَنَحْو ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْله صلى الله عليه وسلم: (وَفِي كُلّ خَيْر) فَمَعْنَاهُ فِي كُلّ مِنْ الْقَوِيّ وَالضَّعِيف خَيْر لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْإِيمَان، مَعَ مَا يَأْتِي بِهِ الضَّعِيف مِنْ الْعِبَادَات. قَوْله صلى الله عليه وسلم: (اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعك وَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ وَلَا تَعْجِز)، وَمَعْنَاهُ اِحْرِصْ عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى، وَالرَّغْبَة فِيمَا عِنْده، وَاطْلُبْ الْإِعَانَة مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا تَعْجِز، وَلَا تَكْسَل عَنْ طَلَب الطَّاعَة، وَلا عَنْ طَلَب الْإِعَانَة".2
ولهذه القوة المحمودة ثمرةٌ في الإقبال على العبادة والنشاط في الطاعة، كما روى مسلم عن عَائِشَةُ تحدث عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَيُحْيِ آخِرَهُ ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ قَالَتْ: وَثَبَ وَلا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ قَامَ فَأَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَلَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ اغْتَسَلَ وَأَنَا أَعْلَمُ مَا تُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الرَّجُلِ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ).3 قال النووي رحمه الله: "قَوْله: (وَثَبَ) أَيْ قَامَ بِسُرْعَةٍ فَفِيهِ الِاهْتِمَام بِالْعِبَادَةِ وَالإِقْبَال عَلَيْهَا بِنَشَاطٍ، وَهُوَ بَعْض مَعْنَى الْحَدِيث الصَّحِيح: (الْمُؤْمِن الْقَوِيّ خَيْر وَأَحَبّ إِلَى اللَّه مِنْ الْمُؤْمِن الضَّعِيف).4
ومن حكمةِ النبِيِّ صلى الله عليه وسلمالبالغة: حِرْصُه على إظهارِ قُوةِ المسلِمِين؛ حتى يُرْهِبُوا أعداءَ الله، فقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وفد وهنتهم حمى يثرب، وأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا بين الرُّكْنَين، ولم يَمنَعْه أن يأمرَهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. وزاد ابن سلمة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم لعامه الذي استأمن، قال: (أرملوا)؛ ليرى المشركون قوتهم، والمشركون من قبل قعيقعان.5 وفي روايةٍ أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنما سعى النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت وبين الصفا والمروة؛ ليري المشركين قوته).6
وقد تمنى لوط عليه السلام امتلاك أسباب القوة من الرجال؛ ليدفعَ شر قومه، وترجَمَ البخاري في كتاب التمني باب (مَا يَجُوزُ مِنْ اللَّوْ 7 وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ({لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً}) قال ابن حجر: "قَوْله (بَاب مَا يَجُوز مِنْ اللَّوْ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: يُرِيد مَا يَجُوز مِنْ قَوْل الرَّاضِي بِقَضَاءِ اللَّه لَوْ كَانَ كَذَا لَكَانَ كَذَا...".8 قالَ اِبْن بَطَّال: "جَوَاب (لَوْ) مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ (لَحُلْتُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَا جِئْتُمْ لَهُ مِنْ الْفَسَاد) قَالَ: وَحَذْفه أَبْلَغ لِأَنَّهُ يَحْصِر بِالنَّفْيِ ضُرُوب الْمَنْع، وَإِنَّمَا أَرَادَ لُوط عَلَيْهِ السَّلَام الْعِدَّة مِنْ الرِّجَال، وَإِلَّا فَهُوَ يَعْلَم أَنَّ لَهُ مِنْ اللَّه رُكْنًا شَدِيدًا؛ وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى الْحُكْم الظَّاهِر، قَالَ: وَتَضَمَّنَتْ الْآيَة الْبَيَان عَمَّا يُوجِبهُ حَال الْمُؤْمِن إِذَا رَأَى مُنْكَرًا لا يَقْدِر عَلَى إِزَالَته، أَنَّهُ يَتَحَسَّر عَلَى فَقْد الْمُعِين عَلَى دَفْعه، وَيَتَمَنَّى وُجُوده حِرْصًا عَلَى طَاعَة رَبّه وَجَزَعًا مِنْ اِسْتِمْرَار مَعْصِيَته، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَ أَنْ يُنْكِر بِلِسَانِهِ ثُمَّ بِقَلْبِهِ إِذَا لَمْ يُطْلِق الدَّفْع".9
وتأمَّلْ التوازن في الخطاب بين الرحمة والقوة في نعي جعفر وصاحبيه: فقد روى البخاري رحمه الله في باب: (غزوة مؤتة من أرض الشام) عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب) وعيناه تذرفان: (حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم).10 فتأمَّلْ الأسلوبَ النبويَّ الجامِعَ للقوةِ والرحمةِ معا؛ فهو خِطابُ عِزةٍ وفَتحٍ وخطاب رحمةٍ ودمعٍ!
وانظرْ التوازن بين إظهار قوة المسلمين لأبي سفيان يوم الفتح وبين تعظيم الكعبة وزجر سعد بن عبادة: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم بحكمته العسكرية والسياسية للعباس: (احبس أبا سفيان عند خطم الجبل، حتى ينظر إلى المسلمين)! فقد روى البخاري رحمه الله في كتاب المغازي، باب: (أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم الفتح؟) عن عروة قال: لما سار النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فبلغ ذلك قريشا، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مر الظهران، فإذا هم بنيران كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ماهذه، لكأنها نيران عرفة؟ فقال بديل بن ورقاء: نيران بني عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركوهم فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم أبو سفيان، فلما سار قال للعباس: (احبس أبا سفيان عند خطم الجبل، حتى ينظر إلى المسلمين). فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمر مع النبي صلى الله عليه وسلم، تمر كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة، قال: يا عباس من هذه؟ قال: هذه غفار، قال: مالي ولغفار، ثم مرت جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ومرت سليم، فقال مثل ذلك، حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن عبادة معه الراية، فقال سعد بن عبادة: يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة. فقال أبو سفيان: يا عباس حبذا يوم الدمار. ثم جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية النبي صلى الله عليه وسلم مع الزبير بن العوام، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: (ما قال). قال: كذا وكذا، فقال: (كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، يوم تكسى فيه الكعبة). قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز رايته بالحجون. قال عروة: وأخبرني نافع بن جبير بن مطعم قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوام: يا أبا عبد الله، ها هنا أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تركز الراية؟ قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كدا، فقتل من خيل الوليد رضي الله عنه يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري.11
ثم وُفِّقَ صلى الله عليه وسلم إلى الجمع بين المصلحتين ومراعاة إظهارِ القُوةِ اللازمة للفتحِ وبين رحمةِ أهلِ مكة والعفوِ عنهم وتعظيمِ الكعبةِ وطَمْأنَةِ أبي سفيان، قال ابنُ حَجَر: "قَوْله: (فَقَالَ سَعْد بْن عُبَادَةَ: يَا أَبَا سُفْيَان الْيَوْم يَوْم الْمَلْحَمَة) أَيْ يَوْم حَرْب لَا يُوجَد مِنْهُ مُخَلِّص، أَيْ يَوْم قَتْل، يُقَال لَحَمَ فُلَان فُلانًا إِذَا قَتَلَهُ. قَوْله: (الْيَوْم تُسْتَحَلّ الْكَعْبَة. فَقَالَ أَبُو سُفْيَان: يَا عَبَّاس حَبَّذَا يَوْم الذِّمَار) وَمُرَاد سَعْد بِقَوْلِهِ يَوْم الْمَلْحَمَة يَوْم الْمَقْتَلَة الْعُظْمَى، وَمُرَاد أَبِي سُفْيَان بِقَوْلِهِ يَوْم الذِّمَار وَهُوَ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الْمِيم أَيْ الْهَلَاك، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَمَنَّى أَبُو سُفْيَان أَنْ يَكُون لَهُ يَد فَيَحْمِي قَوْمه وَيَدْفَع عَنْهُمْ. وَقِيلَ الْمُرَاد هَذَا يَوْم الْغَضَب لِلْحَرِيمِ وَالْأَهْل وَالِانْتِصَار لَهُمْ لِمَنْ قَدَر عَلَيْهِ، وَقِيلَ الْمُرَاد هَذَا يَوْم يَلْزَمك فِيهِ حِفْظِي وَحِمَايَتِي مِنْ أَنْ يَنَالنِي مَكْرُوه. قَالَ اِبْن إِسْحَاق: زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ سَعْدًا قَالَ: الْيَوْم يَوْم الْمَلْحَمَة، الْيَوْم تُسْتَحَلّ الْحُرْمَة، فَسَمِعَهَا رَجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه مَا آمَن أَنْ يَكُون لِسَعْدِ فِي قُرَيْش صَوْلَة. فَقَالَ لِعَلِيٍّ: أَدْرِكْهُ فَخُذْ الرَّايَة مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ تَدْخُل بِهَا. قَالَ اِبْن هِشَام: الرَّجُل الْمَذْكُور هُوَ عُمَر. قُلْت: وَفِيهِ بُعْد؛ لِأَنَّ عُمَر كَانَ مَعْرُوفًا بِشِدَّةِ الْبَأْس عَلَيْهِمْ. وَقَدْ رَوَى الْأُمَوِيّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ أَبَا سُفْيَان قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَاذَاهُ: أُمِرْت بِقَتْلِ قَوْمك؟ قَالَ: لا. فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَهُ سَعْد بْن عُبَادَةَ، ثُمَّ نَاشَدَهُ اللَّه وَالرَّحِم، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَان الْيَوْم يَوْم الْمَرْحَمَة، الْيَوْم يَعِزّ اللَّه قُرَيْشًا. وَأَرْسَلَ إِلَى سَعْد فَأَخَذَ الرَّايَة مِنْهُ فَدَفَعَهَا إِلَى اِبْنه قَيْس... لكن جَزَمَ مُوسَى بْن عُقْبَة فِي الْمَغَازِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَقْوَال فِيمَنْ دُفِعَتْ إِلَيْهِ الرَّايَة الَّتِي نُزِعَتْ مِنْ سَعْد. وَاَلَّذِي يَظْهَر فِي الْجَمْع أَنَّ عَلِيَّا أَرْسَلَ بِنَزْعِهَا، وَأَنْ يَدْخُل بِهَا، ثُمَّ خَشِيَ تَغَيُّر خَاطِر سَعْد فَأَمَرَ بِدَفْعِهَا لِابْنِهِ قَيْس، ثُمَّ إِنَّ سَعْدًا خَشِيَ أَنْ يَقَع مِنْ اِبْنه شَيْء يُنْكِرهُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فَسَأَلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ فَحِينَئِذٍ أَخَذَهَا الزُّبَيْر. وَهَذِهِ الْقِصَّة الْأَخِيرَة قَدْ ذَكَرَهَا الْبَزَّار مِنْ حَدِيث أَنَس بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَلَفْظه (كَانَ قَيْس فِي مُقَدِّمَة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَدِمَ مَكَّة، فَكَلَّمَ سَعْد النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ مَخَافَة أَنْ يَقْدُم عَلَى شَيْء، فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ)... وَسَيَأْتِي فِي حَدِيث الْبَاب أَنَّ أَبَا سُفْيَان شَكَا إِلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ سَعْد فَقَالَ: (كَذَبَ سَعْد) أَيْ أَخْطَأَ. وَذَكَرَ الْأُمَوِيّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ سَعْد بْن عُبَادَةَ لَمَّا قَالَ: (الْيَوْم تُسْتَحَلّ الْحُرْمَة، الْيَوْم أَذَلَّ اللَّه قُرَيْشًا، فَحَاذَى رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَبَا سُفْيَان لَمَّا مَرَّ بِهِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُول اللَّه أُمِرْت بِقَتْلِ قَوْمك - وَذَكَرَ لَهُ قَوْل سَعْد بْن عُبَادَةَ - ثُمَّ قَالَ لَهُ: أُنْشِدك اللَّه فِي قَوْمك، فَأَنْتَ أَبَرّ النَّاس وَأَوْصَلهمْ، فَقَالَ: يَا أَبَا سُفْيَان، الْيَوْم يَوْم الْمَرْحَمَة، الْيَوْم يَعِزّ اللَّه فِيهِ قُرَيْشًا. فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْد فَأَخَذَ اللِّوَاء مِنْ يَده فَجَعَلَهُ فِي يَد اِبْنه قَيْس)".12
موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع حاطب الجامع بين الحزم والرحمة فأخذ الكتاب وحفظ مقام حاطب وأقال عثرته: وموقف علي والزبير القوي الحازم مع المرأة وتهديدها بإلقاء الثياب دون مباشرة ذلك حقيقة! كما روى البخاري عن عبيد الله بن أبي رافع يقول: سمعت عليا رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد، فقال: (انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها). قال: فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا لها: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، فقلنا، لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة، إلى ناس بمكة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا حاطب ما هذا؟) قال: يا رسول الله لا تعجل علي؛ إني كنت امرءا ملصقا في قريش، يقول: كنت حليفا ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم؛ فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون قرابتي ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام. فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقكم). فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). فأنزل الله السورة: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق - إلى قوله - فقد ضل سواء السبيل}.13
وما أجملَ موقفَ النبي صلى الله عليه وسلم وأكملَ حَزْمَه يومَ الفتح وقوته في الحق وفي القضاء على الشرك وقتل مجرمي الحرب: كما روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم الفتح على رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه). قال مالك: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نرى والله أعلم يومئذ محرما.14 قال ابن حجر: "وَالسَّبَب فِي قَتْلِ اِبْن خَطَل وَعَدَم دُخُوله فِي قَوْله (مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِد فَهُوَ آمِنٌ) مَا رَوَى اِبْن إِسْحَاق فِي الْمَغَازِي " حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَغَيْره أَنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم حِينَ دَخَلَ مَكَّة قَالَ: لا يُقْتَل أَحَدٌ إِلَّا مَنْ قَاتَلَ إِلا نَفَرًا سَمَّاهُمْ فَقَالَ: اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ تَحْت أَسْتَار الْكَعْبَة! مِنْهُمْ عَبْد اللَّه بْن خَطَل وَعَبْد اللَّه بْن سَعْد، وَإِنَّمَا أُمِرَ بِقَتْلِ اِبْن خَطَل لأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا فَبَعَثَهُ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقًا وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلا مِنْ الأَنْصَار وَكَانَ مَعَهُ مَوْلًى يَخْدُمهُ وَكَانَ مُسْلِمًا، فَنَزَلَ مَنْزِلًا، فَأَمَرَ الْمَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ تَيْسًا وَيَصْنَع لَهُ طَعَامًا، فَنَامَ وَاسْتَيْقَظَ وَلَمْ يَصْنَع لَهُ شَيْئًا، فَعَدَا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ اِرْتَدَّ مُشْرِكًا، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم".15 قال النووي: "قَوْله: (جَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: اِبْن خَطَل مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة فَقَالَ: اُقْتُلُوهُ) قَالَ الْعُلَمَاء: إِنَّمَا قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدُمهُ، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَيَسُبّهُ، وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ قِيلَ: فَفِي الْحَدِيث الْآخَر مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِد فَهُوَ آمِن، فَكَيْف قَتَلَهُ وَهُوَ مُتَعَلِّق بِالْأَسْتَارِ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الأَمَان، بَلْ اِسْتَثْنَاهُ هُوَ وَابْن أَبِي سَرَح وَالْقَيْنَتَيْنِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَإِنْ وُجِدَ مُتَعَلِّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيث أُخَر، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ، بَلْ قَاتَلَ بَعْد ذَلِكَ".16 وقال ابن حجر: "وَاسْتُدِلَّ بِقِصَّةِ اِبْن خَطَل عَلَى جَوَاز إِقَامَة الْحُدُود وَالْقِصَاص فِي حَرَمِ مَكَّة، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ: كَانَ قَتْل اِبْن خَطَل قَوَدًا مِنْ قَتْلِهِ الْمُسْلِمَ. وَقَالَ السُّهَيْلِيّ: فِيهِ أَنَّ الْكَعْبَة لَا تُعِيذ عَاصِيًا وَلَا تَمْنَع مِنْ إِقَامَة حَدّ وَاجِب".17
ومن أجملِ الأدلة على مُراعاةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم التوازنَ بين القوةِ والرحمة بِحَسَبِ المقاصِدِ الشرعية: حديثُ العُرَنِيِّين؛ ففي أولِه رحمةٌ بهم، وفي آخرِه عذابٌ، فقد رَحِمَهم النبيّ ُصلى الله عليه وسلم وأكرمَهم وعالَجَهم؛ فلما سفكوا الدمَ الحرامَ عاقبَهم صلى الله عليه وسلم وانتقَمَ منهم أشدَّ الانتقام، فقد روى البخاري عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ فَأَسْلَمُوا فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَصَحُّوا فَارْتَدُّوا وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ 18 حَتَّى مَاتُوا).19
وتأمَّلْ فقهَ الحسن البصري وندم أنس رضي الله عنه عن تحديث الحجاج بهذا الحديث؛ لئلا يستعمِلَه في غيرِ موضِعِه؛ فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم كمالُ الفقهِ في القوة والرحمة والغضب والرضا ما ليس للحجاج وأمثالِه من الجبارين المُسْرِفِين في القتل! فقد روى البخاري عن مُسْلِم بن إِبْرَاهِيمَ عن سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ عن ثَابِت عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ نَاسًا كَانَ بِهِمْ سَقَمٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آوِنَا وَأَطْعِمْنَا فَلَمَّا صَحُّوا قَالُوا إِنَّ الْمَدِينَةَ وَخِمَةٌ فَأَنْزَلَهُمْ الْحَرَّةَ فِي ذَوْدٍ لَهُ فَقَالَ اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ20 أَعْيُنَهُمْ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدِمُ الأَرْضَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوتَ! قَالَ سَلَّامٌ فَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِأَنَسٍ: حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثَهُ بِهَذَا فَبَلَغَ الْحَسَنَ فَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهَذَا).21
قال ابنُ حَجَر: "فِي رِوَايَة بَهْز (فَوَاَللَّهِ مَا اِنْتَهَى الْحَجَّاج حَتَّى قَامَ بِهَا عَلَى الْمِنْبَر فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَنَس) فَذَكَرَهُ وَقَالَ (قَطَعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل وَسَمَلَ الْأَعْيُن فِي مَعْصِيَة اللَّه؛ أَفَلَا نَفْعَل نَحْنُ ذَلِكَ فِي مَعْصِيَة اللَّه؟) وَسَاقَ الْإِسْمَاعِيلِيّ مِنْ وَجْه آخَر عَنْ ثَابِت (حَدَّثَنِي أَنَس قَالَ: مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْء مَا نَدِمْت عَلَى حَدِيث حَدَّثْت بِهِ الْحَجَّاج) فَذَكَرَهُ؛ وَإِنَّمَا نَدِمَ أَنَس عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ مُسْرِفًا فِي الْعُقُوبَة، وَكَانَ يَتَعَلَّق بِأَدْنَى شُبْهَة. وَلا حُجَّة لَهُ فِي قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيح فِي بَعْض طُرُقه أَنَّهُمْ اِرْتَدُّوا، وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا قَبْل أَنْ تَنْزِل الْحُدُود كَمَا فِي الَّذِي بَعْده، وَقَبْل النَّهْي عَنْ الْمُثْلَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغَازِي، وَقَدْ حَضَرَ أَبُو هُرَيْرَة الْأَمْر بِالتَّعْذِيبِ بِالنَّارِ ثُمَّ حَضَرَ عَنْ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ".22
وقد فضَّلَ علماؤنا أن تُسقَى البهائم بقليل الماء ويتيمم المسلم، ولم يأذنوا في سقاية مرتدٍّ أو محارب لله وسوله سفَّاكٍ للدماء (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).23 كما قال النووي: "وَأَمَّا قَوْله: (يَسْتَسْقُونَ فَلا يُسْقَوْنَ) فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِذَلِكَ، وَلَا نَهَى عَنْ سَقْيهمْ. قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْل فَاسْتَسْقَى لَا يُمْنَع الْمَاء قَصْدًا فَيُجْمَع عَلَيْهِ عَذَابَانِ، قُلْت: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُمْ قَتَلُوا الرُّعَاةَ وَارْتَدُّوا عَنْ الإِسْلام، وَحِينَئِذٍ لا يَبْقَى لَهُمْ حُرْمَة فِي سَقْي الْمَاء وَلا غَيْره، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابنَا: لا يَجُوز لِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمَاء مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ لِلطَّهَارَةِ أَنْ يَسْقِيَهُ لِمُرْتَدٍّ يَخَاف الْمَوْت مِنْ الْعَطَش، وَيَتَيَمَّم، وَلَوْ كَانَ ذَمِيمًا أَوْ بَهِيمَة وَجَبَ سَقْيه، وَلَمْ يَجُزْ الْوُضُوء بِهِ حِينَئِذٍ".24
ومن التوازن بين الرحمة وبين مراعاة حقوق الناس وتطييب نفوسهم: كما روى البخاري في كتاب المغازي، باب: قول الله تعالى: {يوم حنين إذ أعجبكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته - إلى قوله - غفور رحيم}25 عن عروة بن الزبير: أن مروان والمسور بن مخرمة أخبراه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم). وكان أنظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبين لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل). فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم). فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا.26
ومن توازن القوة والرحمة مراعاة الحكمة والحزم في التربية والتأديب: كما في نموذج الوصال. فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف، فلم ينل منهم شيئا، قال: (إنا قافلون إن شاء الله). فثقل عليهم، وقالوا: نذهب ولا نفتحه، وقال مرة: (نقفل). فقال: (اغدوا على القتال). فغدوا فأصابهم جراح، فقال: (إنا قافلون غدا إن شاء الله). فأعجبهم، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم. وقال سفيان مرة: فتبسم.27
ومن عرفَ آدابَ الجهادِ والنهي عن قتل النساء والصبيان في الغزوعلِمَ أنَّ القوة لا تعني إقرار الظلم: كما روى البخاري رحمه الله في كتاب المغازي، باب: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة) عن ابن عمر رضي الله عنهما أبيه قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد). مرتين.28
وهذا الفقه يبيِّن التوازن بين الرحمة النبوية وبين القوة التي ينصر بها دينَ الحق ويرفع الظلم ويردع بها مُجرمي الحرب ممن آذى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: كعب بن الأشرف وأبي رافع، فقد روى البخاري في كتاب المغازي، باب: (قتل كعب بن الأشرف) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لكعب بن الأشرف؛ فإنه قد آذى الله ورسوله). فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: (نعم). قال: فائذن لي أن أقول شيئا، قال: (قل) فأتاه محمد بن مسلمة فقال: إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، وإنه قد عنانا، وإني قد أتيتك أستسلفك، قال: وأيضا والله لتملنه، قال: إنا قد اتبعناه، فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقا أو وسقين؟ فقال: نعم، ارهنوني، قالو: أي شيء تريد؟ قال: أرهنوني نساءكم، قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب، قال: فارهنوني أبناءكم، قالوا: كيف نرهنك أبناءنا، فيسب أحدهم، فيقال: رهن بوسق أو وسقين، هذا عار علينا، وكنا نرهنك اللأمة - قال سفيان: يعني السلاح - فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن، فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة ؟ فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة، وقال غيرعمرو، قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب. قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين - قيل لسفيان: سماهم عمرو؟ قال: سمى بعضهم - قال عمرو: جاء معه برجلين، وقال غير عمرو: أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر. قال عمرو: جاء معه برجلين، فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه. وقال مرة ثم أشمكم، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحا، أي أطيب، وقال غير عمرو: قال عندي أعطر نساء العرب وأكمل العرب. قال عمرو: فقال أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال: نعم، فشمه ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه.29
وروى البخاري في باب: (قتل أبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق. ويقال: سلام بن أبي الحقيق، كان بخيبر، ويقال في حصن له بأرض الحجاز. وقال الزهري: هو بعد كعب بن الأشرف) عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا إلى أبي رافع، فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله.30 وفي روايةٍ أخرى عن البراء بن عازب قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار، فأمر عليهم عبد الله بن عتيك، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم، فقال عبد الله لأصحابه، أجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب؛ لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، وقد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد الله: إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب، فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق على وتد، قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له، فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت باب أغلقت علي من الداخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، فقلت: يا أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئا، وصاح، فخرجت من البيت، فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله، ثم وضعت ظبة السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا، حتى أنتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي، وأنا أرى أني قد أنتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب، فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم: أقتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور، فقال: أنعى أبا رافع تاجر الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النجاء، فقد قتل أبا رافع، فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: (ابسط رجلك). فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم أشتكها قط.31
قَوْله: (وَكَانَ أَبُو رَافِع يُؤْذِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِينُ عَلَيْهِ ) ذَكَرَ اِبْن عَائِذ مِنْ طَرِيق الْأَسْوَد عَنْ عُرْوَة أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ أَعَانَ غَطَفَانَ وَغَيْرَهُمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب بِالْمَالِ الْكَثِير عَلَى رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم".32
ولهذا الأذى البليغ من أبي رافع للنبي أورَدَه البخاري في بَاب (قَتْلِ الْمُشْرِكِ النَّائِمِ) ذَكَرَ فِيهِ قِصَّة قَتْل أَبِي رَافِع الْيَهُودِيّ مِنْ حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب، وَهِيَ ظَاهِرَة فِيمَا تَرْجَمَ لَهُ؛ لِأَنَّ الصَّحَابِيّ طَلَبَ قَتْل أَبِي رَافِع وَهُوَ نَائِم، وَإِنَّمَا نَادَاهُ لِيَتَحَقَّق أَنَّهُ هُوَ لِئَلَّا يَقْتُل غَيْره مِمَّنْ لَا غَرَض لَهُ إِذْ ذَاكَ فِي قَتْله وَبَعْد أَنْ أَجَابَهُ كَانَ فِي حُكْم النَّائِم لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ اِسْتَمَرَّ عَلَى خَيَال نَوْمه، بِدَلِيلِ أَنَّهُ بَعْد أَنْ ضَرَبَهُ لَمْ يَفِرّ مِنْ مَكَانه وَلَا تَحَوَّلَ مِنْ مَضْجَعه حَتَّى عَادَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَفِيهِ جَوَاز التَّجسِيسِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَطَلَب غِرَّتهمْ، وَجَوَاز اِغْتِيَال ذَوِي الْأَذِيَّة الْبَالِغَة مِنْهُمْ، وَكَانَ أَبُو رَافِع يُعَادِي رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم وَيُؤَلِّب عَلَيْهِ النَّاس. وَيُؤْخَذ مِنْهُ جَوَاز قَتْل الْمُشْرِك بِغَيْرِ دَعْوَة إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة قَبْل ذَلِكَ، وَأَمَّا قَتْله إِذَا كَانَ نَائِمًا فَمَحَلّه أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ مُسْتَمِرّ عَلَى كُفْره وَأَنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِنْ فَلَاحه، وَطَرِيق الْعِلْم بِذَلِكَ إِمَّا بِالْوَحْيِ وَإِمَّا بِالْقَرَائِنِ الدَّالَّة عَلَى ذَلِكَ".33
وربما زَجَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من تكبَّرَ على أحكامِ الشرع، كما روى البخاري في بَاب (علامات النبوة) و(عِيَادَةِ الْأَعْرَابِ) وبَاب (مَا يُقَالُ لِلْمَرِيضِ وَمَا يُجِيبُ) وبَاب (فِي الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ قُلْتُ طَهُورٌ كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ فَقَالَ النَّبِيُّصلى الله عليه وسلم: فَنَعَمْ إِذًا).34 "أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْره مِنْ رِوَايَة شُرَحْبِيل وَالِد عَبْد الرَّحْمَن فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس، وَفِي آخِره (فَقَالَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم: أَمَا إِذَا أَبَيْت فَهِيَ كَمَا تَقُول قَضَاء اللَّه كَائِن، فَمَا أَمْسَى مِنْ الْغَد إِلا مَيِّتًا)".35
وقد روى مسلم في بَاب (آدَابِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَأَحْكَامِهِمَا) عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ (أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِشِمَالِهِ فَقَالَ كُلْ بِيَمِينِكَ قَالَ لَا أَسْتَطِيعُ قَالَ لَا اسْتَطَعْتَ مَا مَنَعَهُ إِلا الْكِبْرُ قَالَ فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ!).36 قال النووي: "وَفِي هَذَا الْحَدِيث: جَوَاز الدُّعَاء عَلَى مَنْ خَالَفَ الْحُكْم الشَّرْعِيّ بِلَا عُذْر، وَفِيهِ: الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر فِي كُلّ حَال حَتَّى فِي حَال الْأَكْل، وَاسْتِحْبَاب تَعْلِيم الْآكِل آدَاب الْأَكْل إِذَا خَالَفَهُ كَمَا فِي حَدِيث عُمَر بْن أَبِي سَلَمَة الَّذِي بَعْد هَذَا".37
وما كان غضبُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا لله عزَّ وجل ولما رأى صلى الله عليه وسلم من مخالفة الحكم الشرعي، كما قال المناوي: "دعاؤه صلى الله عليه وسلم على الرجل إنما هو لكبره الحامل له على ترك الإمتثال".38 وانظرْ كيف منع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصحابةَ من تفضيلِه على موسى عليه السلام حين غضب أحدُهم فلطم يهودياًّ، كما روى مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ أَوْ لَمْ يَرْضَهُ قَالَ: لا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ قَالَ تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام عَلَى الْبَشَرِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا وَقَالَ فُلَانٌ: لَطَمَ وَجْهِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ قَالَ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلام عَلَى الْبَشَرِ وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ: لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ: ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام آخِذٌ بِالْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَام).39
وهذه مناسبة طيِّبة للحديث عن التوازن في كمال الغضب والرضا.
----------------
الهوامش:
صحيح مسلم 13/142، حديث 4816.
2 شرح النووي على مسلم 9/19.
3 صحيح مسلم، حديث 1223
4 شرح النووي على مسلم 3/78.
5 صحيح البخاري، حديث 4009، [1525].
6 صحيح البخاري، حديث 4010، [1566].
7 لَمَّا أَقَامَهَا مَقَام الِاسْم صَرَفَهَا فَصَارَتْ عِنْده كَالنَّدَمِ وَالتَّمَنِّي.
8 فتح الباري لابن حجر 20/283.
9 فتح الباري لابن حجر 20/283.
10 صحيح البخاري، حديث 4014، [1189].
11 صحيح البخاري، حديث 4030 [2813].
12 فتح الباري لابن حجر 12/95.
13صحيح البخاري، حديث 4025 [2845].
14صحيح البخاري، حديث 4035 [1749].
15 فتح الباري لابن حجر 6/69.
16 شرح النووي على مسلم 5/22.
17 فتح الباري لابن حجر 6/69.
18 تَرْجَمَ البخاري بَاب (لَمْ يَحْسِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى هَلَكُوا)، قال ابن حجر: "الْحَسْم بِفَتْحِ الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ الْكَيّ بِالنَّارِ لِقَطْعِ الدَّم حَسَمْته فَانْحَسَمَ كَقَطَعْتُهُ فَانْقَطَعَ وَحَسَمْت الْعِرْق مَعْنَاهُ حَبَسْت دَم الْعِرْق فَمَنَعْته أَنْ يَسِيل، وَقَالَ الدَّاوُدِيّ: الْحَسْم هُنَا أَنْ تُوضَع الْيَد بَعْد الْقَطْع فِي زَيْت حَارٍّ . قُلْت : وَهَذَا مِنْ صُوَر الْحَسْم وَلَيْسَ مَحْصُورًا فِيهِ، وَأَوْرَدَ فِيهِ طرَفًا مِنْ قِصَّة الْعُرَنِيِّينَ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْله (قَطَعَ الْعُرَنِيِّينَ وَلَمْ يَحْسِمهُمْ) قَالَ اِبْن بَطَّال: إِنَّمَا تَرَكَ حَسْمهمْ لِأَنَّهُ أَرَادَ إِهْلَاكهمْ فَأَمَّا مَنْ قُطِعَ فِي سَرِقَة مَثَلًا فَإِنَّهُ يَجِب حَسْمه لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَن مَعَهُ التَّلَفُ غَالِبًا بِنَزْفِ الدَّم". فتح الباري لابن حجر 19/220.
19فتح الباري لابن حجر 19/219، حديث6304.
20 قَوْله (وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ) وَقَعَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ فِي أَوَّل الْمُحَارِبِينَ (وَسَمَلَ) بِاللَّامِ وَهُمَا بِمَعْنًى، قَالَ اِبْن التِّين وَغَيْره: وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ عِيَاض: سَمَرَ الْعَيْن بِالتَّخْفِيفِ كَحَلَهَا بِالْمِسْمَارِ الْمَحْمِيّ فَيُطَابِق السَّمْل؛ فَإِنَّهُ فُسِّرَ بِأَنْ يُدْنَى مِنْ الْعَيْن حَدِيدَةٌ مُحْمَاةٌ حَتَّى يَذْهَب نَظَرُهَا فَيُطَابِقُ الْأَوَّلَ بِأَنْ تَكُون الْحَدِيدَة مِسْمَارًا، قَالَ: وَضَبَطْنَاهُ بِالتَّشْدِيدِ فِي بَعْض النُّسَخ وَالْأَوَّل أَوْجَهُ، وَفَسَّرُوا السَّمْل أَيْضًا بِأَنَّهُ فَقْء الْعَيْن بِالشَّوْكِ وَلَيْسَ هُوَ الْمُرَاد هُنَا". فتح الباري لابن حجر 19/224.
21 فتح الباري لابن حجر 16/194، حديث 5253.
22 فتح الباري لابن حجر 16/194.
23 (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ). الأعراف 179. وقال تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا). الفرقان 44.
24 شرح النووي على مسلم 6/78.
25 التوبة 25-27.
26 صحيح البخاري، حديث 4064، [2184].
27 صحيح البخاري، حديث 4070 [5736، 7042].
28 صحيح البخاري، حديث 4084. [6766].
29 صحيح البخاري، حديث 3811 [2375].
30 صحيح البخاري، حديث 3812.
31 صحيح البخاري، حديث 3813. وفي رواية عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم، فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر، قال: فتلطفت أن أدخل الحصن، ففقدوا حمارا لهم، قال: فخرجوا بقبس يطلبونه، قال فخشيت أن أعرف، قال فغطيت رأسي كأني أقضي حاجة، ثم نادى صاحب الباب، من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه، فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن، فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب، حيث وضع مفتاح الحصن في كوة، فأخذته ففتحت به باب الحصن، قال: قلت: إن نذر بي القوم انطلقت على مهل، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم، فغلقتها عليهم من ظاهر، ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه، فلم أدر أي الرجل، فقلت: يا أبا رافع؟ قال: من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح، فلم تغن شيئا، قال: ثم جئت كأني أغيثه، فقلت: ما لك يا أبا رافع؟ وغيرت صوتي، فقال: ألا أعجبك لأمك الويل، دخل علي رجل فضربني بالسيف؟ قال: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى، فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله، قال، ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلق على ظهره، فأضع السيف في بطنه، ثم أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم، أريد أن أنزل فأسقط منه، فانخلعت رجلي فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان وجه الصبح صعدت الناعية، فقال: أنعى أبا رافع، قال: فقمت أمشي ما بي قبلة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته). صحيح البخاري، حديث 3814، [2859].
32 فتح الباري لابن حجر 11/370.
33 فتح الباري لابن حجر 9/240.
34 صحيح البخاري 11/448، حديث 3347.
35 فتح الباري لابن حجر 10/417.
36 صحيح مسلم 10/297، حديث 3766.
37 شرح النووي على مسلم 7/57.
38 فيض القدير للمناوي 1/384.
39 صحيح مسلم 12/76، حديث 4376.