كانت أياماً من الحزن العاصف، كان الرجل فقداً للوطن بكامله، فكان لا بد من الحزن، وكان لا بد من تدفق الدموع، ورغم كل سحب الحزن الماطرة دموعاً كان نجماً. كان مفتوناً بقضاء حوائج الناس، دائماً هو في الصفوف الأمامية، في كل محفل صغيراً كان أو كبيراً، وكان حلو اللسان طليق الوجه، كان صوته هادراً داوياً مع الحق.. نذر نفسه وشبابه لقضايا المجتمع وقضايا الشباب .. كان رجلاً سمحاً يبشر الناس بخير كثير.. كانت أحاديثه وخطبه مع الأخذ بالأيسر والأرفق ما لم يكن حراماً أو مكروهاً. كان الحصن والملاذ عندما تدلهم بنا الخطوب والمحن.
إن الحياة دار للأحزان والنكبات .... ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة؛ فقد قتل سبعون من أصحابه في أحد، ومات ابنه إبراهيم، إن هذا بلاء لا بد منه، وسار الصحابة على نهجه؛ فقتل عمر واغتيل عثمان وطعن علي رضي الله عنه وجلدت ظهور الأئمة من بعدهم.....كمٌّ من المصائب، وكمٌّ من الصابرين، والتحلي بالصبر من شيم الأفذاذ. وإن لم نصبر فماذا نصنع؟
كان دائماً يدعونا أن نتمسك بروح الستر والتصالح والهروب من أخذ الناس بالشبهات، ويدعونا إلى الصدق والعدل والعفة، ويدعونا إلى أن نكرم الإنسان ونقدس آدميته، ويذكِّرنا دائماً أن يكون نظرنا ثاقباً، ويحذرنا من العجلة في الأمور قبل أوانها، وأن مقدمة القوم عيونهم، وأن نستشعر في قلوبنا الرحمة والمحبة واللطف بالناس، وألا نكون عليهم سباعاً ضارية، وكان يقول لنا: انظروا إلى عظيم ملك الله فوقكم، وقدرته عليكم، فإن الله تعالى يذل كل جبار ويهين كل مختال، ومن ظلم عبداً كان الله خصمه دون عباده. كان ـ رحمه الله ـ يذكِّرنا دائماً بأن في الناس عيوباً كثيرة أنتم أحق بسترها؛ فلا تفتشوا عما غاب منها، واستروا عورات الناس يستر الله ما تحبون ستره، وأحسنوا الرعاية.
وكان بعد ذلك في منبره داعياً إلى الهدى، ومدافعاً عمن يقاومون الظواهر السالبة والشاذة في المجتمع، بذات الأسلوب والمعنى الراقي والكلام الميسور، يدعو إلى ربه بالحكمة والموعظة الحسنة
أيها الشيخ الكريم: لقد رحلت عن دنيا لم تطمع فيها ولم تعمل لها، وما اشتهيت فيها سوى مرضاة الله تعالى، ولم تطمع في مال أو لذة زائلة، وأنت ـ يا أبا جعفر ـ لست من يُبكَى عليه، لكننا نبكي أنفسنا بعدك، ونبكي دنيا بلا أنفاسك
فإن شاء الإله بنا فراقاً فإن الله يفعل ما يشاء
وإن قطعت سبل التلاقي فإن وصال ما انقطع الدعاء
ألا رحم الله محمد سيد حاج وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا