الانشغال بما لا يعني من أكثر الآفات شيوعاً في المجتمع، بل كثير من العادات تدخل في هذا الباب. والانشغال بما لا يعني لا ينحصر في السعي للتعرف على أحوال الآخرين، وحشر الأنف في أخص خصوصياتهم كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل (ما لا يعني) هو كل ما لا يهم ولا يفيد لا في دنيا ولا في دين، وفي الحديث: ((احرص على ما ينفعك))1 ، فكل ما لا ينفع فضول ينبغي اجتنابه سواء كان قولاً أو فعلاً.
بل عد رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الانشغال بما لا يعني من كمال الالتزام بالإسلام، ونوع من الترقي في مراتب الدين نحو بلوغ مرتبة الإحسان، ففي الحديث: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))2.
ولما عدد المولى جل وعلا صفات عباد الرحمن ذكر منها: (وإذا مروا باللغو مروا كراماً) [الفرقان: 72]. وكذلك جعل الإعراض عن اللغو من صفات المؤمنين المفلحين، وذلك في قوله: (والذين هم عن اللغو معرضون) [المؤمنون: 3]، قال ابن كثير: "أي عن الباطل؛ وهو يشمل الشرك كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، كما قال تعالى: (وإذا مروا باللغو مروا كراماً)، قال قتادة: أَتَاهُم واللهِ مِنْ أمرِ الله ما وقَّفَهم عن ذلك"3. فالمعرضون عن اللغو الذين أثنى الله عليهم معرضون عن العبث، واللهو، والفضول، والتكلف، وكلها يدخل الاشتغال بها في معنى الاشتغال بما لا يعني.
فلنتأمل كيف ذكر الله تعالى صفة الإعراض عن اللغو بين هذين الركنين العظيمين من أركان الإسلام، قال عز من قائل: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) [المؤمنون: 1ــ4].
والأمور التي لا تعني العبد أنواع، ولعله يحسن التنبيه على نوعين منها:
الأول: أمور لا تعنيه ولا تهمه في أصلها كالتدخل في شؤون الآخرين وخصوصياتهم، والخوض في أخبارهم، وكثرة سؤالهم عن أحوالهم وتفاصيل أمورهم حتى يضطر المسؤول الإخبار بما لا يحب الإخبار به، أو الكذب، أو تكلف المعاريض وربما شق ذلك عليه، أو أهمل السؤال فيقع بذلك في سوء الأدب. ومثل هذه الصفة المقيتة فوق ما تجره من مقت الناس، فإنها توقع المرء فيما يكرهه الله تعالى، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا. ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال))4.
ما يعنيه في أصله لكن يكره الاستكثار منه كالمبالغة في الاشتغال بفضول المباحات. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين: "وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة فقال: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع"5.
ضابط ما يعني وما لا يعني:
لا يدخل في ما لا يعني ما كان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان))6 ، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإيمان، فهو إذن مما يحسن به الإسلام.
أما قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) [المائدة: 105]، فمعناه: اجتهدوا في إصلاحها وكمالها وإلزامها الصراط المستقيم. فإنكم إذا أصلحتم لا يضركم من ضل عن الصراط المستقيم، ولم يهتد إلى الدين القويم وإنما يضر نفسه7.
كذلك لا يعد منه الاهتمام بشؤون المسلمين وقضاياهم، ومعرفة أحوالهم، ونصرتهم، وإصلاح ذات بينهم، ففي الحديث: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً))8.
أيضاً ليس منه النصح للآخرين لاسيما الأقربين منهم، وتوجيههم لما يصلحهم من أمور معاشهم، لكن ينبغي أن يراعي المرء أن إفادة الآخرين بالتجارب التي سبق وأن مرت به، لا يعني حملهم على رأيه وذوقه، فذلك قد يدعو الناس للضجر منه وتجنبه مهما كانت خبرته، وقد يعدونه نوع من الوصاية عليهم، بل ربما كان مثل هذا التصرف سبباً للمشاكل حتى لو كان سببه الحرص على مصلحة الأقربين كما يحدث بين الآباء وأبنائهم لاسيما المتزوجين منهم.
إذن ما يعني هو ما يزيد الإيمان، أو تترتب عليه فائدة دنيوية للعبد أو لغيره، وكل ما عداه مما لا يعني.
كيف نترك ما لا يعنينا؟
الاستعانة بالله تعالى، وما استجلب توفيقه عز وجل بمثل الدعاء والافتقار إليه، ولا فاتت الخيرات بمثل إهماله.
معرفة ما لا يعني عند الإقبال على العمل أو القول ثم المضي أو التوقف.
المجاهدة: يقول تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) [العنكبوت: 69]. ومما يعين على ذلك كثرة محاسبة النفس.
مصاحبة الأخيار المشتغلين بما يعنيهم مع الالتزام بأدب المناصحة. وقد حض الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده على ذلك بقوله: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطاً) [الكهف: 28].
الاشتغال بما ينفع، وتجنب الفراغ واتباع الهوى.
معرفة أن الإعراض عما لا يعني صفة يحبها الله تعالى، وتحبب العبد إلى الناس. قيل للأحنف بم سدت قومك وأنت لست بأنقبهم ولا أشرفهم؟ قال: إني لا أتكلف ما كُفيت، ولا أضيع ما وليت.
تذكر الآخرة، وأن من لم يعمر وقته بما ينفعه ندم عليه، فرأس مال العبد أوقاته، ومهما صرفها فيما لا يعنيه ولم يدخر بها ثواباً في الآخرة فقد ضيع رأس ماله. وقد قيل:
من راقب الموت لم تكثر أمانيه
ولم يكن طالباً ما ليس يعنيه
--------------------------------------------
الهوامش :
1 صحيح مسلم، (2664).
2 رواه الترمذي (2317)، وابن حبان في صحيحه (229)، وغيرهما، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
3 تفسير ابن كثير، تفسير سورة المؤمنون، 3/319.
4 مسلم (1715)، وشاهده في الصحيحين من حديث المغيرة وأنس أيضاً.
5 مدارج السالكين 2/21.
6 صحيح مسلم (49).
7 ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: ص 232- 233.
8 صحيح البخاري (2446).