|
| حب غير محدود للمال |
منذ أن يفتح الإنسان عينيه على الحياة ، ويبدأ بفهم محيطه العام يتفتح وعيه على بعض الحقائق المهمة ، منها أنه لا يستطيع الحصول على كل شيء ، فهناك دائماً حدود لما يمكن أن يستحوذ عليه ، ومنها أنه يحتاج إلى الكثير الكثير من الأشياء ، ومنه أيضاً أن عليه في أحيان كثيرة أن يدفع ثمناً لما يرغب في اقتنائه والاستمتاع به من أشياء وخدمات . وهذا كله يدفع به دفعاً نحو تعزيز ميوله الفطرية إلى التملك على نحو عام وإلى إمتلاك ( المال ) الذي يعد الأداة الأساسية للحصول على المرغوبات والمشتهيات على نحو خاص . إن شدة ميل الإنسان إلى ( المال ) تجعله يتجاوز شعوره بالحاجة إلى المال ، ويتجاوز تفكيره في كيفية إنفاقه ، أي يصبح المال والحصول عليه هدفاً في حدِّ ذاته بقطع النظر عن وظائفه ، تماماً مثل الذي يتناول كميات كبيرة من الطعام ، فهو لا يفكر في القيمة الغذائية لها – بل كثيراً ما تكون ضارة – وإنما يأكل إستجابة لشهوته للطعام ليس أكثر . يقول الله تعالى موضحاً بأبلغ بيان هذا الجزء من الطبيعة البشرية : ( إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) ( العاديات 6 – 8)
ومعنى الآية الأخيرة : أن الإنسان بسبب حبه للمال لقوي مجد في تحصيله ، متهالك عليه . ويقول – سبحانه – (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً) ( سورة الفجر : 20 ) . وقال : ( لَا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاء الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ ) أي لا يمل العبد من سؤال الله خير الدنيا بسبب حبه للحياة وحرصه على تكديس الأشياء ، وإذا أصابته ضراء قنط من رحمة ربه ، واستبطأ الفرج .
وقال - صلى الله عليه وسلم - ( لو كان لإبن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانياً ، ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثاً ، ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب ) وتماشياً مع هذه الحقيقة المتوهجة قال – صلى الله عليه وسلم – ( ليس الغنى عن كثرة العرض ، ولكن الغني غنى النفس ) ( رواه البخاري وغيره ) أي أن الإنسان لن يشعر بالغنى بسبب كثرة الأشياء التي يمتلكها ؛ لأنه لا حدود لشهوته للتملك ، وإنما يشعر المرء بالإستغناء بما يمتلك من عفة وقناعة وترويض للنفس على الإنصراف عن متاع الدنيا . إن الناس يعرفون أنه ليس من اللائق أن يظهر الإنسان بمظهر الجشع الحريص على المال ، ولهذا فإنهم يغلِّفون أنشطتهم ومساعيهم للحصول على المال بأغلفة ، فيها تمويه وتلطيف ، وهم في الخفاء يبذلون جهودهم لنيل ما يستحقون ، وبطرق مشروعة وغير مشروعة ، كلٌ حسب دينه وخلقه ، وقد أعجبني ما ذكره أبو الوفاء ابن عقيل حين قال : ( من ادعى أنه لا يحب الدنيا ، فهو عندي كذاب ، إلى أن يثبت صدقه ، فإذا ثبت صدقه ثبت جنونه ) ! ولا شك بعد هذا أن هناك نوعاً من التفاوت الجبلِّي في تعلق الناس بالمال ، كما أن تهذيب النفس وشغلها ببعض الأمور العظيمة والنبيلة أثراً في تخفيف الحرص على تكديس المال .
هل يعني هذا الملمح من ملامح الطبيعة البشرية شيئاً ؟
إنه يعني الآتي :
1/ نحن مبتلون بحبنا للمال وميلنا الشديد إليه كما قال الله – سبحانه – : ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) ( الأنفال : 28 ) , فهذا الحب الجارف للمال أداة امتحان ، وعلينا أن نحاول النجاح في ذلك الامتحان من خلال كسب المال من حلال ومن خلال إنفاقه في مراضي الله تعالى .
2/ ما دامت النفس لن تشبع من المال ، فإن علينا إذاً أن نتخذ منه الموقف المتزن ، فلا ننشغل بكسبه وتنميته وتوفيره عن أداء الحقوق والواجبات المترتبة علينا لربنا وأهلينا وأجسامنا ... وعلينا أن نحمي أنفسنا من داء التسويف : إذا صار معي مئة ألف حججت ، وإذا صار لدي مليون بنيت مسجداً .... وتتوفر مع المرء هذه المبالغ ، وأكثر منها ثم لا يحج ، ولا يبني مسجداً ، ولا يصل رحماً ، ولا يكفل يتيماً ، وهذا بحق من أمارات الحرمان والخذلان ! .
3/ إن المعروض من المال سيظل أقل من المطلوب ، ولهذا فإن التسابق على الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المال سيظل مصدراً مستمراً للتوتر والنزاع ، وهناك دراسات تدل على أنه كلما انخفض المستوى التعليمي لدى الشخص فإن إقباله على الاستهلاك يصبح أشد ، وربما كان ذلك من باب التعويض عن الجدب الروحي والفكري الذي يعاني منه ، وهذا يعني أن الإعراض عن التثقف والقراءة والذي يشكل سمة بارزة لمعظم المجتمعات العربية والإسلامية ، سيزيد في التوتر ، من خلال ازدياد الطلب على المال ، وسيكون ذلك من ضرائب التخلف !
4/ لدى الناس طموح كبير لتحقيق الذات وإثباتها والظهور بمظهر الشخص القائد أو الزعيم أو المتميز أو فاعل الخير ، وهذا يمكن تحقيقه عن طريق الأنشطة الدعوية والأدبية والتطوعية والاجتماعية ، فإذا كانت هذه الأنشطة ضئيلة في مجتمع من المجتمعات أو عليها نوع من الحظر والتضييق لأي سبب من الأسباب ، فإن الناس سوف يلجؤون إلى المال بوصفه وسيلة لتحقيق الذات ، وهنا تنتشر المظهرية ، ويَخْبَر الناس ألواناً مقيتة من المباهاة والإسراف والتبذير والسفه في إنفاق المال ، ولهذا فلا بد من العمل الحثيث على إغناء الحياة العامة بالمؤسسات والمشروعات والأنشطة الأدبية والاجتماعية ... وإلا فقدنا توازننا في إنفاق المال ، والذي سيؤدي في النهاية إلى خلل في الطريقة اكتسابه .