مساء السبت 10 جمادى الأولى 1431 هـ ، الموافق 24 أبريل 2010م كان مساءاً حزينا في السودان..حيث خبت عن الدنيا جذوة وقادة، وانطفأت ابتسامة براقة، وتوارى علم جم، ورحلت كلمة بليغة، وموعظة ذات أثر عميق..
لقد رحل عن دنيا الناس الشيخ الشاب، العالم الرباني والداعية الدؤوب، محمد سيد حاج..الذي مهما قيل في وصفه فهناك مزيد..
كان بعض السلف يقول لأهل البدع «بيننا وبينكم يوم الجنائز»..ولقد كان يوم جنازة محمد سيد حاج، استفتاءاً شعبياً، على حب رجل اجتمعت له القلوب، على اختلاف اتجاهات أصحابها..
أميز ما كان يميز الشيخ محمد سيد أنه داعية عرف طريقه إلى إرشاد مجتمعه..وكانت مشاكل الشباب هي ميدانه الأثير الذي يحسن الملاحة فيه..وعلى الرغم من أن في السودان دعاة وعلماء شباب كثيرون، إلا أن واحداً من أولئك الدعاة الكبار أو الصغار، لم يكن قريباً من الشباب مثل ما كان محمد سيد رحمه الله!!..تفاعل غريب بين الداعية والمدعو جسدته تجربة الشيخ محمد سيد حاج..وكأنه قائد أسطول تتحرك جميع السفن بأمره.. يأتيه الشباب طواعية ويعكسون له خبايا عالمهم، وجرائرهم، ليخرج بعدها كالجراح ممسكاً بمبضعه مصوباً نحو موضع الألم مباشرة!!.
لقد كان محمد سيد يعرف تماماً..السبيل الذي ينفذ منه إلى مزاج الشباب، من غير أن يهزم جدية الدعوة، ووقار العلم..كان يعرف متى يطلق النكتة الساخرة، ومتى يحولها سوطاً يلهب به ظهور العصاة والمستهترين!!..
محمد سيد حاج مصلح اجتماعي..بل إن شئت قل طبيب نفسي، يأتيه مرضى القلوب والنفوس، ويطرحون عند بابه مشاكلهم، ويعترفون أمامه بجرائرهم، ويطلبون عنده مخرجاً من مآزقهم..فذلك شاب يبثه مصائبه مع الفتيات، وتلك فتاة تحكي مأزقها مع «الزواج العرفي»!!..وذلك أنه رغم أسلوبه اللاذع، كان رحمه الله يحمل قلباً حانياً، ورغبة أكيدة مخلصة في انتشالهم من الأوحال التي أسقطوا أنفسهم فيها!!.
محمد سيد حاج رجل استطاع أن يدرك نفسه مبكراً، فرغم انتمائه لجماعة إسلامية بعينها، إلا أنه لم يلوّن دعوته بلون ضيق، بل كان على الدوام أقدر على التفاعل مع جميع المسلمين، يحمل هم أمته كلها، بعيداً عن الإغراق في مآزق الخلاف والشقاق..
وبفضل محمد سيد حاج، وعدد من الدعاة، امتلأت المكتبة الصوتية الإسلامية السودانية بآلاف المحاضرات والخطب، والدروس العلمية، ضاقت الأرفف في محلات بيع أشرطة الكاسيت، كما امتلأت بها صفحات الصوتيات في مواقع الويب الإسلامية، مثل موقع «شبكة المشكاة الإسلامية».. وكان من أفضل ما قدم محمد سيد حاج تلك السلسلة من الدورس المتميزة التي شرح فيها كتاب «مدارج السالكين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين» للإمام بن قيم الجوزية رحمه الله، الذي هو في الأصل شرح لمنازل السائرين للإمام الهروي الصوفي!!.
محمد سيد حاج هو واحد من أولئك الرجال الذي بارك الله في أيامهم، فرغم سنوات عمره القصيرة، حيث لم يكمل الأربعين من عمره، إلاّ أن سنواته تلك كانت «حيوات» ممتدة، تشبه أن تكون قروناً لما فيها من العمل الدؤوب في نشر دعوة الله تبارك وتعالى، وقد علمت أنه انطلق بالدعوة منذ أن كان صبياً في المرحلة المتوسطة..
ومحمد سيد حاج من طراز أولئك الرجال الذين يعيون الباحث عن مذمة لهم، و (كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه)..رحمه الله رحمة واسعة، وأقعده مقعد صدق عند مليك مقتدر.