|
| أسطول الحرية |
أسطول الحرّيَّة - بحسب وكالة أنباء "وفا" - يضمّ عددًا من السُّفُن من عدَّة دول، تَحمل على متْنها 750 متضامنًا من أكثرَ من 40 دولة، بيْنها 44 شخصيَّة رسميَّة وبرْلمانيَّة وسياسيَّة أوربيَّة وعربيَّة، من ضِمْنِهم عشَرة نوَّاب جزائريّين.
وتَحمل السُّفُن أكثرَ من 10 آلاف طنّ مساعدات طبّيَّة وموادّ بناء وأخشاب، و 100 منزِل جاهز لمساعدة عشَرات آلاف السّكَّان الَّذين فقدوا منازِلَهم في الحرْب الإسرائيليَّة على غزَّة مطْلع عام 2009، كما تَحمِل 500 عربة كهربائيَّة لاستِخْدام المعاقين حركيًّا، لاسيَّما وأنَّ الحرب الأخيرة خلَّفت نحو 600 معاق بغزَّة.
هذه التَّفاصيل تعْكِس حجْم المأساة الإنسانيَّة الَّتي يَعيشُها أهالينا في قطاع غزَّة، لم تلخص - فقط - فحوى المأساة وإنَّما تكشف حجم التَّخاذُل العربي والإسْلامي الرَّسمي وتَخلِّيه عن مسؤوليَّته تجاه أسْوأ محنة يشْهدها التَّاريخ الإنساني منذُ الحرْبَين العالميَّتين بين شعوب العالَم النصراني، واللَّتين خلَّفتا نحو 50 مليون قتيل غالبيَّتهم من المدنيّين.
الضَّحايا الَّذين سقطوا يوم أمْس في عرض البحْر، لَم يُذبَحوا فقط على يَد الإرْهابيِّين الصَّهاينة، وإنَّما ذُبِحوا على عتبات الضَّعف العربي والإسلامي، وتزلُّفه إلى الأمريكان وعواصم "الاستِقْواء" الَّتي يستجْدون عندها المدَد والمساندة ضدَّ شعوبِهم، الَّتي استنْزفوها وسرقوها وعذَّبوها في السّجون والمعْتقلات ومقارّ الشُّرطة.
شُهداء أسطول الحرّيَّة لن تعلَّق دماؤهم على رقَبة الإرْهاب الإسرائيليّ، وإنَّما ستظلّ نارًا تقضّ مضاجعَ "الشُّرفاء" الَّذين يقدّرون قيمة تضْحياتهم.
أمَّا الموقف الرَّسمي العربي والإسلامي فقد أُصيب بالتبلُّد والبلادة من زمان، وقدِ اعْتاد على الإهانات الإسرائيليَّة والأمريكيَّة، ويبْتلعها ثلاثَ مرَّات يوميًّا مثْل حبات الأسبرين!
الدنيا "مقلوبة" في العالم كلّه إلاَّ العالم العربي، عواصم غربيَّة أُصيبت بالفزَع، وَلَم يعُد بوسْعها أن تتجاهل - كعادتِها - الجريمة، والكيان الصهْيوني ازداد توتُّره وقطع رئيس وزرائِه زيارتَه لأمريكا وعاد إلى الأراضي الفلسْطينيَّة، ولَم نسمع في العالم العربي إلاَّ ذات الإفيهات الجاهزة التي احترف تستيفها في "الأرشيف" لزوم الحاجة إليها في مثل ما حدث يوم أمس!
حتَّى كتابة هذا المقال، الكلّ يتجاهل الإعْلان عن أسْماء الضَّحايا وجنسيَّاتهم بشكْل لافت ومدْهش، ويبدو أنَّ المسألة من الخطورة بحيث يَجري "خلف الأبواب المغْلقة" التَّفكير في سيناريو يخفِّف من ردِّ فعلِها لدى الرَّأْي العام، في الدّول الَّتي ربَّما سقط بعض مواطنيها قتْلى على يدِ الجيش الإسرائيلي.
أعلم أنَّ لمصر مواطنين ونُشطاء ونوابًا بِمجلس الشعب كانوا على متْن الأسطول المنكوب، ومع ذلك لَم يصْدر من الخارجيَّة المصريَّة أيَّة إشارة تعْكس اهتِمامها بشأنِهم والتَّأكُّد ممَّا إذا كانوا أحياء أم ذَبَحهم الإسرائيليُّون بدم بارد!
التَّجربة تحمِلنا على القلق، غير أنَّ المسألة ربَّما تكون اختِبارًا جديدًا للحكومة المصريَّة، من حيث اعتِمادها على "الفرز السياسي" كمعيار لحقوق المواطنة، أو لِمَن له حقّ الرّعاية والاهتمام والحماية سواء داخل مصْر أو خارجها، خاصَّة وأنَّ نوابًا من الإخوان المسلمين كانوا ضِمْن المتضامِنِين الَّذين كانوا على متْن أسطول الحرّيَّة.
نأمل أن تكون القاهرة - هذه المرَّة - على مستوى الحدَث وخطورته ودقَّته، ولعلَّه يَحملها على مراجعة مواقفِها المتشدِّدة إزاء تَمرير المساعدات الإنسانيَّة عبر المعابر الَّتي تَخضع لسيادتِها الوطنيَّة.