|
| العقلانية الغربية والعقل القرآني |
سألنى ذات مرة واحد من أهل الكتاب الشرقيين عما اذا كانت هناك بالفعل "دوائر" مغلقة حول بعض الآيات القرآنية، بحيث لا يجوز للمسلم الاقتراب منها الا فى حضرة أحد الشيوخ العارفين؟ نفيت له ذلك بالطبع، بل وأكدت له أن القرآن كتاب "مفتوح"، تستطيع أن تقلب صفحاته وتقرأ فيه كما تشاء. انصرف الرجل وكأن حديثى لم يقع منه موقعا حسنا، وكأنه كان يقارن بين قراءتهم لكتبهم المقدسة وقراءتنا للقرآن. أما من جانبى، فلم أعر الأمر أهمية فى ذلك الحين، ولكني أدركت فيما بعد، من خلال مدارسة طويلة للقرآن، كم كنت متسرعا فى إجابتي تلك. إن القرآن كتاب مفتوح، هذا صحيح، ولكنه "مفتوح" لمن؟ إنه مفتوح كما يتحدث هو عن نفسه "لمن كان حيا"(يس:70)؛ و"الحياة" المشار إليها هنا ليست هي بالطبع الحياة البيولوجية التى يشترك فيها الإنسان والحيوان، والمؤمن وغير المؤمن، وإنما هى "مرتبة" من مراتب الحياة العقلية، يكون صاحبها قد نظر من قبل وتفكر فى أحوال نفسه، أو فى أحوال الكون من حوله، "فأدرك" أن حركة الطبيعة لا تسير خبط عشواء، وأن هناك صنعة محكمة، وتدبيرا دقيقا، وأن وراء الصنعة والتدبير صانع ذو قدرة وعلم، وهذا الإدراك هو أول مدارج "العقل" الذي يرتفع بصاحبه فوق المبصرات الجزئية المحسوسة، وهو "البصيرة" التي "تنفتح" به على القرآن فيجد القرآن "منفتحا" عليه، نور من الباطن على نور من الخارج، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور.ولذلك تجد الحارث المحاسبي يقرر فى اطمئنان: الحجة حجتان، عيان ظاهر..وخبر قاهر..فالعيان شاهد يدل على غيب، أى أن ما يراه الانسان بأم عينه من بحار وجبال وأفلاك هى أثر من آثار الصنعة واتصال التدبير الذى يدل على وحدانية الله وقدرته وحكمته.
أما من عمى قلبه، ففقد الإحساس بأنواره الداخلية، وانقطع عن ينابيع الهداية الفطرية الكامنة فيه، فطبيعى أنه حينما ينظر فى أحوال نفسه، أو فى أحوال الكون من حوله، سوف لن يرى الا الوجه الميكانيكي للطبيعة، واندفاعها الأعمى، ورتابتها التى لا تنقطع، ولكن سيتعذر عليه، من بعد ذلك، أن يرى فيها أثرا لصانع، أو دليلا على عقل كلى،أو شارة على حكيم مدبر.هذا إنسان "عقلاني" لا شك فيه، الا أنه عقلاني "غافل" فيحتاج الى تنبيه، أو عقلاني "جاحد" فيحتاج الى توبيخ، وكلاهما قد أصيب بمرض فى قلبه يستحيل معه الارتفاع فوق المحسوس الظاهر، وتلكم هى "عقلانية" الغرب التى أوردته مهالك النازية والفاشية، لأنها عقلانية مقطوعة عن الله، منزوعة البركة.
اذا علمت هذا فلن يفوتك أن ترى أن الخطاب القرآنى ينقسم الى آيات تستعرض فيها الحجة الكونية، يرد القارئ فيها الى البنية العقلية/الغائية المضمنة فى نظم الكون، وآيات تستعرض فيها الحجة الأخلاقية، يرد فيها القارىء الى الحس الأخلاقى المودع فى قرارة نفسه، ولكن الخطاب القرآنى يتضمن فوق هذا وذاك آيات عديدة فى نقد المنهج المعرفى العقلانى، يرد فيها القارئ الى تراثه الثقافى، وتقاليده الاجتماعية، اللذين يشكلان سدا من بين يديه ومن خلفه، يمنعانه من التفكير السليم، ويطمسان نور البصيرة فيه. إذن فعقلانية القرآن، والتى أشار اليها الأستاذ محمد أسد، هى هذه العقلانية الناقدة، والتى تستحث الانسان ليدخل فى مواجهة صادقة مع نفسه، بدلا عن المواجهة الجاحدة مع الله، على أن المواجهة الصادقة مع النفس هى عملية موجعة، ولعل ذلك هو الذى يجعل الغربيين ينفرون من القرآن، ومن ينفر من القرآن، أو يغلق قلبه أمامه، فان القرآن، مثله فى ذلك مثل الكائنات الحية، سيقابل النفور بالنفور، والإعراض بالإعراض، فهو: "للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين لا يؤمنون فى آذانهم وقر، وهو عليهم عمى، أولئك ينادون من مكان بعيد(فصلت:44)
وهكذا يمكنك أن تلاحظ أن النص القرآنى ليس "جثة ميتة" فيستطيع طالب التشريح (أو عالم اللغة والتفسير) أن يكتشف تراكيبها الداخلية، وتداخلات الأوعية الدموية والهوائية فيها وهو مستلق على قفاه، كما إنه ليس كمسألة الجبر والرياضيات، تستطيع أن تدرك مراميها وتستوعب ألغازها لمجرد معرفتك بلغة الجبر والرياضيات. إن النص القرآنى يشبه الكائن الحى، لا يتفاعل أو يتجاوب الا مع الكائنات الحية الذكية، الراغبة فى الهداية، والصادقة فى البحث عنها،أما الكائنات الميتة، أو التى فقدت القدرة على السمع والبصر، فهذه ستجد القرآن كله "دوائر مغلقة"، فلن تتفاعل معه ولن ينفتح لها، أما ترى أن الله تعالى يخاطب نبيه الكريم:(إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء اذا ولوا مدبرين، وما أنت بهادى العمى عن ضلالتهم، إن تسمع الا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون.النمل:80-81)
أما فى تاريخنا الاسلامى، فقد طغت كما تعلم نزعة عقلية عمياء على المعتزلة، فصاروا وهم دعاة الحرية والعدل يفرضون آراءهم على الناس بالسيف والسوط والسجن، وقد سيطروا على الجو الثقافى ليس بقوة الحجة ولكن بسلطة الدولة، وكان الخليفة المأمون، وقد تعصب للاعتزال، يصف من يخالفونه الرأى " بحشو الرعية، وسفلة العامة، ممن لا نظر له ولا روية"، ولا يرى لمن أنكر القول بخلق القرآن حظا فى الدين، وكان يأمر عامله، فى نازية ظاهرة، أن يضرب عنق أحد المخالفين له فى الرأى، "وأن يبعث إلى أمير المؤمنين برأسه". ولكن أهل العلم والايمان عارضوه معارضة قوية، وردوا عليه بأن أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وسلم) اختلفوا فى الفرائض والمواريث، ولكنهم لم يحملوا الناس عليها، فلم ينظر أحد من بعد ذلك الى تطرف المعتزلة والمأمون فى حمل الناس على آرائهم الا كما يكون النظر الى أهل البدعة والضلال، وصار الفرق واضحا بين "عقلانية القرآن" و"عقلانية المعتزلة"؛ فهؤلاء قد دخل عليهم الخطأ والضلال كما يدخلان على المغالين فى كل الملل والحضارات.
ولكن ومن الناحية العملية ماذا يمكننا أن نفعل؟ أنترك عقلانيى الغرب، النافرين من القرآن،على نفورهم؟ أم نستمر فى وضع ترجمات جديدة للقرآن فى اللغات الأوربية، وتنقيح وتصحيح الترجمات القديمة ووضعها على شبكات الانترنت، أم أنه سيكون من الأفضل لنا ولهم أن نشغل أنفسنا بما هو أهم، كأن نقوم بإصلاح مدارسنا، وتقويم مناهجنا، ومحو أميتنا، وكأن نتوقف عن رسم الصور "المسيئة" للقرآن ولرسول القرآن؛ صور الجهل والتعصب والكذب والغش والطغيان وأكل أموال الناس بالباطل، فنترجم القرآن حينئذ الى "نماذج" راقية فى السلوك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي؟