شبكة المشكاة الإسلامية 
آخر تحديث: 16.ربيع الاول.1433 الموافق: 2012-02-09م

ثلاثيات نبوية (59) ثلاث تبذل فيهن الأموال  ::  الدين القيم (119) الله هو المعبود الحق  ::  نساء خالدات (35) صفية بنت حيي 2  ::  دفاعا عن الحجاب  ::  ثلاثيات نبوية (58) ثلاثة حدث النبي بقصتهم  ::  الدين القيم (118) عيد الفطر  ::  نساء خالدات (34) صفية بنت حيي 1  ::  المدارس الغربية في البلاد الشرقية  ::  ثلاثيات نبوية (57) لا ينظر الله إليهم 2  ::  الدين القيم (117) لعنة الجاهلية  ::  

الإستشارات الفتاوى الأخبار الصفحة الرئيسية

ما حكم الاحتفال بالمولد النبوي؟

تابعوا المشكاة على تويتر

محاضرات وخطب  -فضيلة محمد سيد حاج رحمه الله

بيان هيئة علماء السودان حول أحداث سوريا

البث المباشر لقناة طيبة الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا الفضائية

البث المباشر لقناة إفريقيا سواحيلي

 

الرئيسية المقالات

 

 

 

Bookmark and Share

أحاديث مع المتشردين في أمريكا!

 

د.محمد وقيع الله
أكاديمي سوداني

2010-06-26

أحاديث مع المتشردين في أمريكا!
باستعراضه للكتاب التراثي (في الفلاكة والمفلوكين) من تأليف الشيخ أحمد بن علي الدلجي، رحمه الله، طرق صديقنا الدكتور عثمان أبوزيد قضية مهمة من القضايا المعاصرة، هي قضية (التهميش) التي يكثر الحديث عنها عند المثقفين في هذا الأيام.

واتضح لنا من عرضه الرائع للكتاب، أن ما يسمى بالتهميش داء قديم، وان علماء حضارتنا الإسلامية قد أوفوه حقه من التنظير، وقد كنا نحسب قبل قراءة عرض الدكتور لهذا الكتاب، أن الحديث عن (المركز) و(الهامش) و(شبه الهامش) هو من ابتداع مفكري اليسار الجديد من أمثال عمانويل وولرشتاين، وفرانك غوندوز، وسمير أمين!

بدو أمريكا:

ذكر مؤلف الكتاب أن (الفلاكة) ظاهرة عامة توجد بجميع البلاد والمجتمعات، وبعد أن تحدث عن الكثير من خصائص (المفلوكين) قال إن :"مما اختصوا به أيضاً ؛ كثرة التنقل في الأرض. فمتى استولت الفلاكة على شخص في بلد واضطرب في أرجائها وتلكَّع في طرق معاشها، ظن أن تأتِّي المصلحة في ذلك البلد مستحيل أو متعسر، ويتوهم إفاضة الخير عليه في بلد ثان. والأقيسة العقلية تقتضي استمرار الفلاكة في البلد الثاني، من جهة أن موجبات الفلاكة القائمة بالمفلوك مصاحبة له سفرًا وحضرًا. وعموماً فإن التنقل من لوازم الفلاكة وما خرج أحد من بلد ويمكنه الإقامة فيها".

وعقب الدكتور عثمان أبو زيد على ذلك قائلا: "إن هذا تشخيص دقيق لحال من يتقلب في الأعمال، ويتغرب في البلاد، متوهماً أنه إذا انتقل من بلد إلى آخر، أو من عمل إلى آخر، انفتح له باب الرزق والحظ "!

فهذا حادثٌ عند المفلوكين حيث لا يزيدهم التنقل والتبدل إلا بؤسا ويأسا، ومنهم ابن الرومي، الذي انتابه اليأس فقال:

أذاقتني الأسفار ما كره الغنى إليَّ وأغراني برفض المطالب

فأصبحت في الإثراء أزهد زاهد وإن كنت في الإثراء أرغب راغب

حريصا جبانًا أشتهي ثم انتهي بلحظي جناب الرزق لحظ المراقب

ومن راح ذا حرص وجبن فإنه فقير أتاه الفقر من كل جانب

تنازعَني رَغَبٌ ورَهَبٌ كلاهما قويٌ وأعياني اطلاع المغايب

فقدمت رجلا رغبة في رغيبة وأخرت رجلا رهبة للمعاطب

أخاف على نفسي وأرجو مفازها وأستار غيب الله دون العواقب

ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ومن أين والغايات بعد المذاهب!

ضائع في إنديانا :

وفي الواقع فإني قد وقفت مرة وبمحض الصدفة، على تمثيل أدق وأطرف لوصف الكاتب للمفلوكين بحب التسفار، عندما كنت في حالة سفر طويل بالطائرة من مدينة سانت لويس- ميزوري إلى مطار ميريلاند.

فتحت كتابا منذ أن دخلت إلى الطائرة لأنسى به ما كان يعتلج في نفسي من هم وغم، وما يدور حولي من زحام وضجيج.

كنت قبلها بلحظة قد ذكرت أني قد نسيت (بذلتي) الجديدة التي اشتريتها خصيصا لتلك السفرة بصالة المطار، ولم يعد من سبيل للعودة لأخذها بعد دخول الطائرة.

والواقع أني اشتريت تلك (البذلة) ليس لتلك السفرة، وإنما للغرض من تلك السفرة، وهو خوض المغامرة السخيفة المسماة بإجراءات التعيين للوظيفة، وما يتخلل ذلك من مقابلات شكلية.

انتابني قليل من الشجى، فأخرجت الكتاب أغرق نفسي فيه، ونسيت الهم واللأواء والحزن، وأذكر أن الكتاب كان عن (محمد إقبال) حيث أخذني معه بعيدا عن هموم الأرض والتراب إلى عالم عالٍ فوق السحاب!

وعندما هبطت الطائرة في مطار في منتصف الطريق، حملت كتابي وحقيبتي، وخرجت قاصدا محطة المترو، لأستغل الترام، إلى حيث المرام.

ولكن راعني أن الطريق يطول ويطول، وعهدي به أنه أقصر من ذلك بكثير.

بلغت ساحة المترو ولم يكن فيها خلق كثير، فزاد ذلك في استغرابي وارتيابي.

ثم وجدت هنالك شخصا (مفلوكا) ينتظر، فقلت له: أهذه محطة الترام؟

قال: نعم.

قلت: وما بالي أراها خالية من القُصَّاد؟

قال: لست أدري.. إنني هبطتها قبل ساعات وسأغادرها عما قليل!

قلت له وقد زاد عجبي وساء ظني: ما اسم هذه البلدة التي هبطتها؟

قال: اسمها بيديفورد!

قلت وقد كاد ظني السيئ يتأكد: وفي أي ولاية تقع هذه البلدة التي لم أسمع باسمها من قبل؟

قال: في ولاية إنديانا!

أدركت حينها أني قد (ضهبت)، وساء سبيلي، فقلت لنفسي دعني أهدئ أعصابي قليلا بـ (الونسة) وتجاذب القول مع هذا (المفلوك) فقد تعزيني مصيبته عن مصيبتي!

قلت له: ما أنت؟! وما تبتغي؟! إني أرى من حالك أمرا عجبا!

قال: أنا أمريكي فيتنامي جنوبي جئت إلى أمريكا متقهقرا مع الجند الأمريكي المنهزم في إثر معارك سايغون!

قلت له: ذلك زمان بعيد يقع في أواسط السبعينيات. ماذا تعمل منذئذ؟

قال: كما ترى الحال! فأنا رحَّال جوَّال أخترق المشارق والمغارب جيئة وذهابا!

قلت: أوليس لك عمل غير هذا؟!

قال: هذا هو عملي الدائب في غالب شأني وزماني.

قلت: وماذا تنظر في هذا المكان؟

قال: انظر قطارا يقلني إلى صقع آخر من أصقاع الدنيا.

قلت: لتفعل ماذا في هذا الصقع الذي تروم وصوله؟

قال: لا شيء. فقد ألقي عصا النوى، ثم أتأمل في سلوك الورى؟

قلت: أما لك من هواية أخرى غير ذلك؟!

قال: نعم. أحادث الناس، وأخبر ما في دواخلهم من شؤون وشجون. وأراسل آخرين في نواحي الدنيا التي لا يحملني إليها القطار.. ألا ترى إلى أكداس الرسائل التي تكاد تتساقط من أطراف حقائبي وزكائبي؟

قلت: بلي. وماذا فيها؟! لقد كنت أهوى المراسلة مثلك في الزمان الخالي.

قال: إن في رسائلي، ورسائل الناس إلي، الكثير من المستطرف من كل فن مستظرف، كل امرئ يحكي لي حكاية فريدة مما يلقى من دهره، وأنا احكي له مما لقيت وألقى من فنون وفتون!

قلت: وماذا تفعل عندما تلقي عصا التسيار؟

قال: أجلس حيث أجلس، وأنام حيث أنام، وأحادث من ألقى من الأنام، الكرام منهم واللئام!

قلت: وكيف تكسب قوت يومك؟ إن عرفت أنك تنام حيث تنام وتحادث جميع أصناف الأنام!

قال: عندما يوشك مالي أن ينفد، أسلم نفسي إلى سلطات البلدية، وأطلب منها أن توظفني توظيفا مؤقتا، حيث أعمل في كنس الطرقات؟

قلت: ولماذا كنس الطرقات بالذات؟

قال: لأخترق الجهات التي لا تخترقها القطارات في أعماق المدن والحارات!

قلت: وأين أسرتك؟ أما لك أبناء يعينون على ريب الزمان؟

قال: إن لي عدة أبناء، كبروا وتخرجوا، وهم يعملون في وظائف حسنة، ويقيمون بعيدا عني.

قلت: ولماذا لا (تَتْلَم) عليهم؟!

قال: إني امرؤ ذو كبرياء وفخار، ولا أمد يدي لأخذ فلسا أو دينار، من أي إنسان كائنا من كان.

قلت له: حقا إنك لـ (مفلوك) كريم، وصدقني إنك قد حدثتني فآنستني بحديثك العذب، النابع من القلب، حتى كدت أنسى ما حل بي من الخطب. هل لك الآن أن تدلني كيف يمكن أن أذهب من هنا إلى المطار؟!

قال: ولماذا تذهب إلى المطار؟ ألم تأت إلى هنا لتستغل القطار؟

قلت: كان هذا قصدي في البدء، ولكني كنت أبغي قطارا آخر في ميريلاند، لا في هذه البلدة المنطفئة الفقيرة (المفلوكة) التي أدركت الآن أنها من أعمال ولاية إنديانا لا في تخوم مقاطعة كولومبيا!

قال: قل لي إذن كيف ولماذا ارتكبت الخطأ الجسيم؟!

حكيت له باقتضاب ما حكيته للقارئ في مطلع هذا المقال، فقال: ليس لك من وسيلة لتحملك إلى المطار إلا الحافلة التي أتيت بها، وسترجع إلى هنا بعد ساعة من الزمان.

قلت: وما الحل إن لم أشأ أن أتلبث إلى ذلك الآن ؟

قال: تسعى برجليك مع السابلة حتى تبلغ مركز المدينة، وهناك عسى أن تجد سيارة أجرة تقلّك إلى المطار.

انطلقت من عنده لا ألوي على شيء، بغية أن أصل إلى المطار، فأجد طائرة متجهة إلى ميريلاند.

وفي مركز المدينة الذي وصلته والشمس تدنو من المغيب، أديت فريضتي الظهر والعصر جمعا وقصرا، والناس يستشرفونني (كأن لم يروا قبلي محبا ولا بعدي!) كما قال العاشق القديم.

والناس في هذه المدن الصغيرة قلما يرون أحدا من المسلمين، ولا شك أن من رأوني قد ظنوني ساحرا من السحرة أو كاهنا من الكهنة عندما كنت أؤدي الصلوات.

ثم انطلقت بسيارة إلى المطار وبلغته بعد الغروب بقليل.

قلت لموظفة الحجز وأنا أداري خجلي: إن الخطأ الذي ارتكبته كان كبيرا، فإني قد نزلت من الطائرة في هذه مدينتكم هذه قبل أن أبلغ مأمني في ميريلاند!

قالت: ولماذا وقعت في هذا الخطأ الجسيم؟

وقبل أن أجيب أخذت التذكرة مني وتفحصتها، ولعلها تفحصت أساريري أيضا فبانت لها فيها ملامح الصدق، ثم قالت: لم يبق من أوان إقلاع الطائرة الأخيرة لهذا اليوم إلى مطار ميريلاند غير خمس دقائق، ولعلنا نفلح في تدبير أمر سفرك فيها.

الكفاءة المذهلة:

ثم أوحت إلى صويحبة لها تعمل معها في المكتب، أن تتصل عن طريق الهاتف، بمن يديرون إجراءات السفر عند مدخل الطائرة، لتخبرهم أن مسافرا غريب الشأن قدم لآخر لحظة، وأن إجراءات إصدار تذكرة جديدة، وحجز جديد له، تجري على قدم وساق.

ولما أكملت تلك محادثتها الهاتفية، كانت هذه قد أكملت الإجراءات الورقية، فما أكفأ هؤلاء الموظفين، وما أشد تفانيهم في أداء أعمالهم، فلكأنما أخذوا هذه الهمة العالية، وتمرسوا على هذه الكفاءة الفذة بـ (سودانير)!

ولا أطيل على القارئ في أمر تلك السفرة، فقد أعفاني المخدِّمون من إجراءات التعيين قائلين إنهم قبلوا بتعييني دون مقابلة ودون بذلة كذلك! (ولم أكن قد أخبرتهم أني أضعت بذلتي في الطريق)!

ولو كنت أدعي الكرامات لكانت تلك هي كرامتي الوحيدة، ولكنني بما أعرف عن نفسي، التي بين جنبي، أدرك أني أبعد ما أكون عن أرباب الكرامات، وأبعد ما أكون كذلك عن (المفلوكين)!

كل ما هنالك أني لا أنزعج للمتاعب، والمصاعب، والمصائب، والنوائب، التي تنصب على البرايا، وتعتورهم آناء الليل وأطراف النهار، وألقى جلها في هدوء واصطبار، ليقيني أنها كلها من قبيل الطوارئ، التي تنجلي - مهما ادلهمت - بعد حين، وبذلك قد أبدو لبعض الناس مفلوكا، وما أنا من المفلوكين!.

وبعدي عن المفلوكين لا يعني أني لا أقترب منهم، أو لا أدعهم يقتربون مني، فإنا نلتقي، ونتحدث الحين بعد الحين، في تلك النواحي القريبة من (البيت الأبيض) حيث يكثر (المفلوكون) كأنما لهم مستعمرة في تلك البقاع.

وكثيرا ما يلتقونني في المطاعم، يطلبون فتاتا، أو (ساندويتشا) طازجا، أو نقدا.

وفي هذه الحال الأخيرة، فقبل أن أنفح أحدهم دولارا، أو دولارين، أو نحو ذلك، أشترط عليه ألا ينفقه في مفتِّر أو مسكِّر أو مخدِّر، فيقبل شرطي، وأخلي بذلك من التبعة طرفي.

(وما على المحسنين من سبيل).

متشرد إسلامي:

ومرة استغربت عندما اقترب مني (مفلوك) في أحد المطاعم، وخاطبني قائلا: أولا تدري أني مسلم! أولا تدري أن في كل كبد رطبة أجر؟!

قلت: بلى. وقلت لنفسي ليس غريبا أن يكون هذا الشخص السائل مسلما، ولكن كيف عرف أني مسلم؟!

ثم تذكرت يوما كنت أقطع فيه الجسر الكبير القريب من ذلك المطعم، ويدعى جسر المفتاح، حيث أوقف أحدهم سيارته، وحياني بتحية الإسلام، فحييته بها، وقلت له مداعبا: ولكن كيف ميزتني من بين هذه الحشود وعرفت أني مسلم؟!

قال مجاملا: " نورهم يسعى بين أيديهم وبأَيْمانهم" قلت له ملاطفا: وعسى أن يكون كلانا كذلك!

وكنت أحيانًا ألقى بعض (المفلوكين) المتشردين داخل مكتبة جامعة (جورج وشنطون)، بمدينة سانت لويس - ميزوري، وبمكتبة جامعة (جورج تاون) العامرة في مدينة واشنطون، وبغيرهما من المكتبات.

فبعضهم يهوون الاطلاع، ويحاولون ما أمكن أن يتزودوا بالمعرفة، ويلاحقوا ما تدور به الدنيا، وتسنح لهم فرص حسنة لكي يستريحوا في المقاعد الوثيرة المتناثرة في أبهاء المكتبة، ولكي يأكلوا فتاتا سائغا من بقايا طعام الطلاب المترفين، يبقونه على موائد الكافتيريا الملحقة بالمكتبة.

ولأنه من الصعب أن يحصل هؤلاء (المفلوكين) على مشروبات باردة مجانا، فقد ترى بعضهم محملاً حقيبته بزجاجة كوكاكولا كبيرة (أصغر قليلا من الحجم العائلي الذي يباع بالبقالات عندنا) يتجرع منها فيطفئ عطشه آنا بعد آن!

والطلاب على العموم يتجنبون هذا الصنف من الناس (المفلوكين) فهم ثرثارون، وشعث، وغير مهندمين، ويتعامل الطلاب معهم بحيادية شديدة، ليس فيها قربى، ولا عطف، ولا عداء.

ولكن ربما يتعامل الطلاب معهم بنحو ألطف إن لقوهم خارج البيئات الجامعية كأن يلقوهم في الطرقات وفي الأسواق.

خذ الحكمة من أفواه (المفلوكين):

ومرة تكاثر عليّ المفلوكون بأحد المطاعم ليلا، وذلك عندما كنت أقيم بالمستشفى في مدينة (ممفيس)، حاضرة ولاية (تنيسي)، حيث كانت ابنتي الصغرى (هبة) تعاني من المرض، وعندما خرجت لمشوار قصير بالسيارة تعطلت السيارة عطلا مفاجئا أدركت على التو أنه عطل كبير.

ولم يكن ثمة سبيل إلى استدعاء ميكانيكي، فقد هبط الليل، ولم يكن ممكنا أن أترك سيارتي وأذهب، فأخذت منها كتابا قديما كان مركونا فيها، وانتحيت ناحية مطعم تناولت به طعاما هنيئا.

وجعلت اطلع كتابي حينا، وأحادث (المفلوكين) الذين أخذوا يتوافدون على المطعم أحيانا أخرى. كانت أمواج البرد الهادرة قد اقتحمت معاقل (المفلوكين) وفزعتهم فجاءوا إلى المطعم معصوبي الرؤوس، عسى أن يصيبوا دفئا وقِرىً.

ومن هؤلاء علمت أن البرد يصيب الرأس أول ما يصيب، فغدوت أعصب رأسي كلما تعرضت لموجة برد قارس!

وكل من تحدثت معه من (المفلوكين) في تلك الليلة الليلاء، كشف بلسان مبين، عن عقل راجح متين.

فليس مصاب هؤلاء القوم في عقولهم كما يظن الظان لأول وهلة، ومعنوياتهم جيدة كذلك، ولا تدري – وربما لا يدرون هم أنفسهم - من أين أصابهم العطب.

فلا يدل على شذوذ أطوارهم إلا هذا الحزن القاتم الذي يجلل ملامح وجوههم، وهذه الثياب الرثة التي يخطرون بها، وهذا الصمت المطبق الذي لا يكسرونه إلا في قليل من الحين، ولكنهم حالما نطقوا، نطقوا رشدا كالآخرين!

إيمان (المفلوكين):

وفي تلك المدينة المسماة (ممفيس)، تعرفت بعدد من المتشردين المفلوكين، بعضهم قد أنعم الله تعالى عليه بدين الإسلام.

قال لي أحدهم في لغة الجزم القاطع: هل تعرف صاحب البقالة المسلم الذي اسمه علام؟

قلت: نعم. وهو من أوائل من تعرفت إليهم هنا.

قال: إنه يصلح داعية ولا يصلح تاجرا أبدا!

قلت: ألا يمكن أن يجمع بين الأمرين؟!

قال: كلا! إن تجارته ستفلس بعد قليل.

قلت: وكيف عرفت ذلك؟!

قال: لأنه لا يبالي بالربح ولا الخسارة، ولا برأسماله القليل، وإنما يبالي بالإنسان ويعمل فقط من أجل الإنسان.

قلت: اشرح لي هذه الاستنتاجات.

قال: خذ هذا المثال. كنت معه البارحة، ببقالته، فجاءته سيدة تشتكي من طعام كانت اشترته منذ يومين وأكلت نصفه.

قلت: وماذا فعل حيالها؟

قال: فتح الدرج، وأعطاها المبلغ الذي دفعته، من غير أن ينبس ببنت شفة، وتركها تذهب بباقي الطعام.

قلت: وما دلالة ذلك عندك؟

قال: بهذه الطريقة المتسامحة سيفقد رأسماله في بلد كهذا. ولكن صدقني إنه كسب بتصرفاته هذه قلبي للإسلام، وقد أصبحت أثق بكل شروحه وإجاباته عن المسائل الدينية التي تعترض طريقي.

لقد صدق حدس هذا المتشرد (المفلوك) في علام، فقد سألت عنه بعد فترة، فعلمت أن تجارته لم تفلح، ولكن الله تعالى عوّضه ما هو خير منها، إذ رزقه زوجا صالحة، من ماليزيا، كانت تدرس بجامعة تنيسي، وذهب معها إلى بلادها، وقنع بأن يعمل مهندسا هناك.

وسألت صديقي المتشرد (المفلوك) هذا عن تجربته الإيمانية (وكان علام قد أخبرني سلفا كيف أحال الإسلام هذا الفتى النيو يوركي العنيف الـ Tough Guy إلى مسلم صادق، دقيق الذوق، رقيق الشعور) .. والأمريكيون يعجبهم أن تسألهم عن تجاربهم العملية ولا يحبون الحديث النظري، فقال مجيبا: ليس غير القرآن.

قلت: ماذا تعني؟! هذه إجابة موجزة جدا.

قال: نسخة من ترجمة معاني القرآن الكريم تسربت إلى السجن، وكنت محظوظا إذ انتهت إلى يدي، فقرأتها، وأدركت على التو، أن هذا من كلام الخالق، لا من كلام المخلوقين، فآمنت بهذا الدين!



 

التلاوات
الصوتيات
الأناشيد
المقالات
الملفات
البحوث والدراسات
المرئيات
الحوارات والتحقيقات
نافذة الأشبال

ملف مصور

 

 

 

 

باشتراكك في القائمة البريدية ستصلك رسالة أسبوعية تحتوي على جديد الموقع


بريد المشكاة

المنظمة

جوال المشكاة

  |   عن الموقع   |   اتصل بنا   |   مؤتمرات   |   مواقع صديقة   |  

جميع الحقوق محفوظة لشبكة المشكاة الإسلامية | 2001 - 2009

Developed By Meshkat Team