إن المكمن الحقيقي لذات الإنسان هو مشاعره وأحاسيسه ، وليس عقله ، ومن الواضح أن البنية النفسية للإنسان هشة للغاية ، حيث تستخفه كلمة الثناء ، وتفتته النظرة .... كما أن كلمة واحدة قد تقضُّ مضجعه ، وتزعجه شهراً أو شهرين ، ويمكن لذبابة أو بعوضة أن تحرمه من النوم ، وتثير أعصابه ، وكما قال سبحانه في الذباب : ((ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ )) ( الحج : 73 ) . ومن صور عدل الله - تعالى - المطلق في هذا الكون أن الإنسان يصعب عليه أن يُدخل السرورعلى غيره , من دون أن يجد شيئاً منه في نفسه ، كما أن من الصعب عليه أيضاً أن يؤذي مشاعر الآخرين دون أن يؤذي نفسه . إن الكلمات الجميلة التي نوجهها لبعضنا أشبه بالطيب ( العطر ) ، حيث إنك لا تستطيع أن ترشه على من حولك دون أن يصيبك منه شيء , والكلمات الجارحة والقاسية أشبه بالريح المنتنة ، يستنشقها كل من في المكان . إن النظرات والكلمات المحملة بالعتاب والنقد واللوم تكتسب في الأساس مشروعيتها من تلك المفارقة الأبدية بين النظرية والتطبيق ، أو بين ما نقوله أو ما نفعله , أو بين ما يمكن أو يجب أن نقوم به ، وما نقوم به في واقع الأمر . وللنقد وظيفة مهمة في الحياة حيث أنه يوقظ الوعي من ثباته ، ويساعد الناس على معرفة عيوبهم وعثراتهم ,لذلك فوجود النقَّاد أمر حيوي لاستقامة الحياة ، لكن مع هذا فإن علينا أن نفرق بين ممارسة النقد بطريقة جيدة وفي إطار أخلاقي وممارسته على نحو عشوائي أو بطريقة كيدية ، أو لأهداف دنيئة!.
هناك شعوب وقبائل وأهالي مدن وأتباع أحزاب .... لديهم ملكات نقدية نامية أكثر مما هو مطلوب أو مقبول ، إنهم يرون الأشياء بمنظار أسود ، ولا تقع أعينهم إلا على النقائص ، وهم يعانون من شيء من المزاجية , أو لديهم قلق غامض ورفض للحياة ، إنها السلبية التي تجعل الرفض أقرب متناولاً من أي شيء آخر . هؤلاء المسرفون في النقد يشبهون شرطياً يتلقى شكاوي المواطنين بشكل يومي ، أو يشبهون قاضياً جنائياً ، تعرض عليه القضايا الشنيعة التي تحدث في البلد ، لكن القاضي يعرف من خلال ثقافته ووعيه أن نسبة صغيرة من المجتمع هي التي ترتكب الجرائم المثيرة والمقززة , أما المسرفون في النقد ، فإنهم يلقون في روع من يسمعهم أن البلد قد خلا من الأخيار , وأن الأوضاع سائرة في طريق البوار والانهيار ، وأنا أعرف أشخاصاً كثيرين من هذا الصنف ، وأشعر حين أقابل أحداً منهم بالإشفاق عليه ،لأنه يصنع أحزان نفسه بنفسه ، ويجلب الهموم لقلبه دون مسوغ مقبول ، ودون أن يشعر ؛ إنهم بارعون في الاستدراك على كل ما هو جميل ومريح : تذكر أمام أحدهم أن فلاناً بنى مسجداً رائعاً ، فيقول لك ، ولكن ثروته مشبوهة ، أو أنه مراء في عمله ! وتذكر أمام آخر بأن فلاناً من الناس ذكي وألمعي ومتفوق في عمله ، فيقول لك : لا فضل له في ذلك ، فقد ترك له والده ثروة كبيرة ، مكَّنته في الدراسة في أفضل الجامعات ، وأي واحد يدرس في جامعة مثل (هارفارد) لابد أن ينجح ... زتذكر في مجلس أنك معجب بالطريقة التي أدار بها فلان الأزمة الكبرى التي حلَّت بالبلد ، فينبري أحد الحضور ليقول لك : هذا ليس بسبب كفاءته وذكائه ، وإنما الفضل للمستشارين الأجانب الذين يقدمون له الدراسات والمقترحات ... وهكذا فهناك نوع من التشويه لكل الأشياء الجميلة !.
ما الذي يُغري الإنسان بالنقد ، ويدفعه للبحق في قمامة الواقع ، للعثور على ما هو منفر ومقزز ؟ أهو المثالية الزائدة ، وتجاهل الظروف التي يمر بها كثير من الناس ؟ أو هو تزكية النفس والإستخفاف بالتالي بالآخرين ؟ أو هو حب الظهور لأن النقد يمنح صاحبه تفوقاً فورياً على النظراء والجلساء ، على حين أن التفكير البنائي الإيجابي لا يستطيع تأمين ذلك ، وقد يكون لأسباب مجهولة .
هل يعني هذا شيئاً :
إنه يعني الآتي :
على المرء أن يتقي الله – تعالى – فيما يقول ، فنحن محاسبون على كل كلمة نتلفظ بها ، كما قال –عز وجل- : (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ( ق : 18 ) وعلينا أن نكون مستعدين لإثبات صحة نقدنا وبراءته من الأغراض والغايات الرخيصة.
علينا أن نقدر ونحترم الفروق الفردية بين الناس ، حيث لا يشترطلاستقامة الناس وفضلهم وصوابهم أن يوافقونا في كل ما نراه ، إذ ليس هناك من هو مركز الدائرة في كل شيء ومن هو محيطها .
بعض النقد هو عبارة عن غيبة خالصة ، يهدف إلى التشهير ، وليس إلى النصح والإصلاح ، لأن الذين يقومون بتوجيهه لغيرهم لا يفعلون ذلك إلا حال غيابه ، ولا يملكون الشجاعة لمواجهة من ينتقدونهم ، لأنهم ليسوا من أهل النصح ولا التثبت .
أخيراً قد يكون من المفيد أن يفهم هؤلاء الذين لا يعجبهم الهجب ولا الصيام في رجب – كما يقولون – أنهم هم المتضرر الأكبر من مبالغتهم في ملاحقة عيوب الناس حيث أن ما يفعلونه فعلاً هو إزعاج أنفسهم وتكدير قلوبهم ، وقد لا يكون لهم أي شيء بعد ذلك !.