خلق الله سبحانه وتعالى الخلق وجعله متفاضلاً فالمخلوقات الحية متفاضلة (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً) والبشر متفاضلون (إن الله اصطفى آدم وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) والأنبياء متفاضلون (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) والجمادات متفاضلة "أُحُد جبل يحبنا ونحبه"
والأماكن متفاضلة (وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت) والأزمان متفاضلة، فخير العصور عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وخير أيام الأسبوع يوم الجمعة، وخير أيام السنة يوم عرفة، وخير لياليها ليلة القدر، وخير الشهور شهر رمضان.
والأفضلية كلها كما ترى مرتبطة بأسباب دينية، فالله سبحانه وتعالى يختار الحي أو الجماد أو الزمان أو المكان لفضل جعله فيه، قد نعلمه نحن وربما لا نعلمه، ثم يكرمه بسبب ذلك الفضل فيجعله مكاناً لخير ديني، ثم يجعله بسبب ذلك الخير الديني القدري محلاً أو مناسبة أو أهلاً لخير ديني شرعي.
اختار الله سبحانه وتعالى شهر رمضان لفضل علمه فيه فجعله وقتاً لنزول خاتم رسالاته، ثم دعانا لصيامه وعلل صيامه بأنه الشهر الذي (أُنزل فيه القرآن هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان). ولما كانت ليلة القدر منه خاصة هي الليلة التي نزل فيها القرآن، فقد زادها تشريفاً على سائر لياليه، ثم دعانا لقيامها وجعل ذلك القيام خيراً من عبادة ألف شهر.
وكذلك ما من يوم أو أيام دُعينا لصيامها نفلاً إلا كان تخصيصها بذلك الصيام راجعاً إلى فضل فيها. فعاشوراء يوم نجى الله فيه موسى وأغرق فرعون، وشعبان شهر ترفع فيه الأعمال، وتاسع ذي الحجة هو يوم عرفة وخير أيام العام، ويوما الاثنين والخميس يومان ترفع فيهما الأعمال.
وهكذا يعقب على التشريع المدني البحت بهذا التوجيه الوجداني البحت؛ ويربط بين التشريعات للحياة وخالق الحياة، بذلك الرباط الوثيق، المؤلف من الخوف والرجاء في مالك الأرض والسماء. فيضيف إلى ضمانات التشريع القانونية ضمانات القلب الوجدانية.. وهي الضمان الوثيق المميز لشرائع الإسلام في قلوب المسلمين في المجتمع المسلم.. وهي والتشريع في الإسلام متكاملان. فالإسلام يصنع القلوب التي يشرع لها؛ ويصنع المجتمع الذي يقنن له. صنعة إلهية متكاملة متناسقة. تربية وتشريع. وتقوى وسلطان.. ومنهج للإنسان من صنع خالق الإنسان. فأنى تذهب شرائع الأرض. وقوانين الأرض، ومناهج الأرض، أنى تذهب نظرة إنسان قاصر، محدود العمر، محدود المعرفة، محدود الرؤية، يتقلب هواه هنا وهناك، فلا يستقر على حال، ولا يكاد يجتمع اثنان منه على رأي، ولا على رؤية، ولا على إدراك؟ وأنى تذهب البشرية شاردة عن ربها. ربها الذي خلق، والذي يعلم من خلق، والذي يعلم ما يصلح لخلقه، في كل حالة وفي كل آن؟
ألا إنها الشقوة للبشرية في هذا الشرود عن منهج الله وشرعه. الشقوة التي بدأت في الغرب هرباً من الكنيسة الطاغية الباغية هناك؛ ومن إلهها الذي كانت تزعم أنها تنطق باسمه وتحرم على الناس أن يتفكروا وأن يتدبروا؛ وتفرض عليهم باسمه الإتاوات الباهظة والاستبداد المنفر.. فلما هم الناس أن يتخلصوا من هذا الكابوس، تخلصوا من الكنيسة وسلطانها. ولكنهم لم يقفوا عند حد الاعتدال، فتخلصوا كذلك من إله الكنيسة وسلطانه! ثم تخلصوا من كل دين يقودهم في حياتهم الأرضية بمنهج الله.. وكانت الشقوة وكان البلاء!!
فأما نحن - نحن الذين نزعم الإسلام - فما بالنا؟ ما بالنا نشرد عن الله ومنهجه وشريعته وقانونه؟ ما بالنا وديننا السمح القويم لم يفرض علينا إلا كل ما يرفع عنا الأغلال، ويحط عنا الأثقال ويفيض علينا الرحمة والهدى واليسر والاستقامة على الطريق المؤدي إليه وإلى الرقي والفلاح؟!