الصوم سنة ماضية ، حيث كتب الصيام علي الأمم التي عاشت حتي قبل مجيء الدعوة ، الإسلامية ، وماتزال لكثير من الأمم شرائها ومناهجها في الصوم فمنها من يقتصر الصوم علي الامتناع عن أكل كل مافيه روح أو خرج من روح ، ومنهم من يقتصر صومه علي الصوم عن المأكول ومنهم من ربط الصوم بحقبة زمنية( من الفجر حتي غروب الشمس) كما أن هناك الصوم الذي تفرضه مطلوبات الجسم ، من أجل اجراء جراحة أو تخفيف وزن أو أضراب لتحقيق مطالب من المجتمع أو الدولة وهناك الصوم عن الكلام ( نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم أنسيا ) سورة مريم آية 26
وكذلك الصوم في الثقافة الإسلامية ، هو أمتناع أو اضراب عن الاكل والضرب والجنس واللغو من أجل تحقيق مطالب روحية ( كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) سورة البقرة آية 183
فالصوم معيار من معايير قياس التقوي وسبيل من سبل متابعة الترقيات الروحية بالسعي والتدرج في مدارج السلوك وطلب الرحمة والغفران والقبول ، ومع إن الصوم في جوهره المادي لايخل من مشقة ، إلا أنها مشقة في جانبها المادي محسوبة ، وذلك بتطليق بعض المطلوبات المادية كالأكل والشرب والجنس واللغو واللهو الجامح لعدة ساعات ، في رمزية من رمزيات السعي للتخلف باخلاق أخلاق الله ، فهو محاولة النسبي للتحقق بالاقتراب من الكلي ولن يستطيع ( الله الصمد ) ومحاولة التخلق باخلاق الله ) كونوا ربانين ، بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) فالصوم مثله مثل الصلاة معراج للعبد الي الرب باسمائه الحسني ، ولله 199 اسما من عدها أو أحصاها دخل الجنة والعد ليس فقط مجرد الحفظ في الذاكرة ولكن كذلك تمثل هذه الاسماء وتجسيدها في سلوك وثقافة المسلم بالاستقامة والرحمة وحسن التدبير والإحاطة والعدل والعلم – وكل ذلك موفور في اسماء الله الحسني – الرحمن – الرحيم – المدبر – الرزاق والعدل والحكم – الخ ).
والصوم فيه مشقة وفيه حرج ولكن الحرج مرفوع بحيث أنه إذ اتساوت كفة الحرج مع كفة استبقاء الأوضاع علي ماهي عليه ، رجحت كـفة استبقاء الاوضاع علي ماهي عليه – المرض ، السفر الشيخوخة ، الحمل ، الاوضاع ، علما بأنه ما من عبادة إلا وفيها مشقة كالحج ( سفر ونفقة وزحمة ، وكالزكاة وما اصعب اخراج الأموال علي أصحابها ، وإلا فإن زكاة اهل المال في العالم الإسلامي ، قد تقضي علي سلطان المسكنة والجوع فيه .
والصوم عبادة جامعة ، لأنه يقوي كذلك العقل والجسم علي ارتياد العبادات الأخري ، فشهر الصوم شهر تلاوة القرآن ومراجعة السجل المدني والجنائي للفرد بقصر توفيق الاوضاع وتصحيح المسار ، لذا سمي بشهر التوبة والغفران وكثير من مباهج الروح قد يتم الوصول لها عبر الصوم لأن الصوم يوجه الطاقة الروحية والمادية في مسارات التهجد والانفاق وصلة الارحام .
كما أن الصوم يحرك حركة الجامعة الروحية للأمة الإسلامية ، حيث تؤدي وحدة الشعر الي وحدة روحية تتجاوز الحدود السياسية والأيدلوجية والمذهبية والجغرافيا ، وتتوحد نسبيا المشاعر والاهداف وترتفع قيمة الإيمان والدين كأساس لمنطلق حركة العمران .
إن التماس مقاصد الصوم الكلية معروف ، ولكي لايبدو أن النشاطات الترفيهية المسمومة التي تصاحب ليالي هذا الشهر ، تسهم في تحقيق هذه المقاصد ، وإلا كيف يمكن أن يصبح الظرف الزماني للصوم وشهر الصوم هو شهر المسلسلات المكشوفة واللهو الفارغ القاتل للملكات وللزمن ولماذا تجتهد الفضائيات في تسمير الناس والسهر بهم امام الشاشات لتضييع مقاصد الصوم الاصيلة إلا يؤدي ذلك إلي الافساد الجزئي لاجواء الصيام ومطلوبات الترقية الروحية.
نعم الرويح مطلوب وضروري ولكن لكل مقام مقال ! لماذا لا تؤجل مساحات اللهو والترويح لأيام العيد وما بعد العيد ، لأن الصوم عمل جاد ولها مقاصد جادة لماذا يحاولون النيل من الصوم وتجريح الظرف بالنوم الثقيل في نهاره والسهر الطويل فيما لا طائل منه ، علما بأنها أوقات عبادة وتأمل وفعل للخيرات وانفاق واخراج للزكوات وحرق لطاقة الجسد للدفع بمباهج الروح – وكل عام والجميع بخير ونسأل الله سبحانه وتعالي تكاثر العطاء وتكاثر الرحمة والغفران في رمضان ونسأل الله لنا ولكم التوبة والاستقامة .