تأثير العمالة الأجنبية في السودان

الثلاثاء 21 جمادى الثانية 1427 هـ
18 يوليو 2006 م

تعتبر هجرة العمالة الوافدة إلى السودان - من غير المسلمين - في الآونة الأخيرة ، من أكبر وأخطر الهجرات إليه بعد الاستقلال ، فقد شهد السودان موجات من العمالة الوافدة خصوصاً في القطاع الزراعي ومحصول القطن تحديداً ،حيث تسربت في سبعينيات القرن الماضي أعداد كبيرة من مواطني دول غرب أفريقيا إلي ولاية الجزيرة للعمل في جني القطن ،واستوطنت تلك الهجرات داخل مشروع الجزيرة في قرى مستقلة بها سماها السودانيون (الكمبو) ولعلها محرفة من الكلمة الانجليزية (camp)،والتي هي في اللغة العربية بمعني معسكر أو مخيم أو نُزل ، والذاكرة السودانية لا تحمل ذكرى طيبة لتلك المعسكرات ،فقد اشتهرت عندهم بصناعة الخمور وغيرها من الموبقات التي كان المجتمع السوداني القديم يأنف من نسبتها إليه،رغم أن الناس آنذاك كانوا غارقين في الخمر حتى آذانهم إلا قليلا ممن رحِم الله،وقد نشرت(صحيفة السوداني)في ملف الجمعة بعضاً من مقال كان قد كتبه أحد رجالات الجزيرة الأكابر ،اشتهر بلقب (الوالي) ينعي ظاهرة انتشار هذه التجمعات داخل المديرية ؛مشيراً لأثارها السالبة ،ولكن كانت ( صيحة الوالي ) في وادٍ حتى أعادت الثورة النفطية في السودان صداها للأذن السودانية من جديد ، ليفاجأ السودانيون بالذي حذرهم منه حكيم الجزيرة بمنعرج اللوى .لو جاز لنا أن نتجاهل أثر العمالة الوافدة بالأمس بحجة دين مشترك يجمع بيننا وثقافة مستمكنة وقرت في صدورنا وفاضت عليهم ؛ فإنه لا يجوز للسودانيين بحال الغفلة عن وافد اليوم ،فهو ليس كأخينا الذي جاءنا بالأمس ،فهو هندي البقرة عنده قد تكون،هي أو بوذا، إله يتوجه إليه بالعبادة أو فلبيني جاء والصليب معلق بصدره، ونهر ضخم طام بالثقافات الغريبة ينصب علي بلدنا انصباباً ،والبلد في غنى عنه،فالصراع الثقافي الخفي بين الثقافة الإسلامية العربية وأعدائها في السودان يشغله عن طلب صراع ثقافي جديد.
و يخشى أن تترتب علي تشغيل العمالة الوافدة وخصوصاً الأجنبية(غير العربية أو المسلمة)والاعتماد لأمد طويل عليها؛ انعكاسات أمنيـة ، ثقافيـة ، سياسيـة ، اقتصادية واجتماعية خطيرة علـى المدى الطويل،على المجتمع السوداني .

أبعاد استقدام العمالة الوافدة :
أ - البعد الأمني :
هناك مشكلة حقيقية في دخول أعداد كبيرة من العمالة الأجنبية الوافدة بطرق غير مشروعة من خلال الحدود السودانية الممتدة لآلاف الأميال والمفتوحة دون عوائق طبيعة مع تسع دول، أغلبها يتذيل قائمة الدول الأشد فقرا في العالم (مصر ،ليبيا ،أثيوبيا ،كينيا ،أرتيريا ، يوغندا ،الكنغو ،أفريقيا الوسطي وتشاد)،وهذه الحدود المفتوحة لا تستطيع قوات حرس الحدود أن تمنع هذا التسلل غير الشرعي وخاصة من دول الجوار , وهو وإن كان محدوداً إلا إنه يحمل في ثناياه أخطاراً كبيرة وغير مرئية تهدد المجتمع ، فالدولـة تفقد سلطاتها عليهم بحيث لا تستطيع تعقبهم أو محاسبتهم في حالة ارتكاب جرائم خطيرة ، والجانب الأخطر إذا كانوا يحملون معهم إلى داخل البلاد مواد محظورة مثل الذخائر والأسلحة أو المخدرات مما يؤثر على حالة الاستقرار والأمن في المجتمع . ومن ناحية أخرى فإن الأفراد الذين يتسترون عليهم داخل البلاد قد يفرضون عليهم القيام بأعمال مخلة بالشرف والأخلاق مما يساعد على انتشار الرذيلة والفساد الأخلاقي .
ونتيجة لهذا الوضع فقـد ظهرت ممارسات خطيرة تهدد المجتمع السوداني المحافظ ، بلغ عدد الجرائم المرتكبة بواسطة الأجانب في عام 2002 «1558» جريمة تمثلت في القتل والشروع في الانتحار والجراح العمد والأفعال الفاضحة والسرقة والاحتيال وغيرها من الجرائم المرتكبة ضد المال.أما عددها في عام 2003 فقد بلغ «2317» جريمة وفي عام 2004 بلغت حتى شهر أغسطس «1113» جريمة. وسجلت سجلات الشرطة العديد من الجرائم كان اغلبها في الأموال مثال الهروب بأموال الشركاء والسرقات والنهب والامتلاك الجنائي للأموال.
ب - البعد الثقافي :
رغم كثرة العمالة الوافدة وخصوصاً الآسيوية من شبه القارة الهندية والصين في السودان إلا أن لها ثقافتها الخاصة،والتي لم تظهر أثارها بوضوح يكفي لملاحظته ولكننا نجد تأثيراً سابقاً لوجود هذه القوميات الوافدة ويتضح ذلك من خلال ما تعرضه دور السينما من أفلام أغلبها هندية لا تمت بصلة إلى المجتمع السوداني ولا تناقش قضاياه ومشاكله . ولا ننكر الأثر السالب الذي أشاعته الجاليات الشامية ومستثمريها في السودان ؛إذ تركزت أغلب استثماراتها في الملاهي والمطاعم الفخيمة ، لتحول وبالتدريج المجتمع السوداني إلي مجتمع استهلاكي كمجتمعات الخليج الآن،وبنظرة (حتى عابرة) تطالعك الأسماء الجديدة للمطاعم والوجوه الجديدة التي تديرها ،تجد مؤمناً واستيرز (stairs)والتي بمعنى (سلم أو درج) والمطعم الصيني والكوري والهندي الصغير (little Indian) وبيتزا هوت ،وأسماء يعجز عن كتابتها (الكي بورد).وقد استفزني ظهور مشروب معدني أسمه (البيرا) خالي من الكحول ،بذات شكل القنينة القديمة لكحول البيرة التي حرمها الله في سمائه ،وأراح السودان منها الرئيس الأسبق جعفر نميري جزاه الله خيراً ،ولا أدري هل ظهور هذه البيرة الخالية من الكحول بذات مظهر الأولى هو الخطوة في طريق يُراد منا المسير والمصير إليه؟ .
ومن الآثار الثقافية التي بدأت في الظهور أيضا ،ظاهرة المدارس الأجنبية في السودان ، فقد ثبت أن أبناء السودانيين قد فاقوا في أعدادهم أبناء الأجانب في بعض هذه المدارس . والمدارس الأجنبية تاريخها في السودان لا يبشر بخير,فهذه المدارس من أخطر المؤسسات التي عملت ومازالت تعمل على تغريب الأجيال من أبناء الأمة الإسلامية ورغم أنها أنشئت في البداية لتعليم أبناء الجاليات الأجنبية إلا أن الواقع يقول بأن خطرها قد امتد إلى أبناء البلد الأصليين وفي المستقبل القريب يتوقع أن تفرز هذه المدارس الخاصة أجيالاً من أبناء المنطقة نفسها لا ينتمون إلى النسيج الثقافي والتعليمي واللغوي لمنطقة الخليج العربية وقد أشار الكاتب الدكتور عبدالله النفيسي ما قامت به هذه المدارس في بعض دول الخليج العربي نواد خاصة ومدارس ونشرات وجرائد بها برامج إذاعية وتليفزيونية خاصة بالجاليات الأجنبية غير العربية ويمنع حتى المواطن من دخولها أو التأثير فيها وصار لهذه الجاليات دور اجتماعي خطير على صعيد التبشير الديني والانتشار الثقافي .. إضافـة إلى ذلك لا نغفل خطر خدم المنازل (سائق ، خادم ، مربية ) ، وخصوصاً المربيات اللاتي يؤثرن على العادات والتقاليد والقيم وخاصة فيما يتعلق بالشعائر الدينية والعلاقات وأنماط السلوك والملبس والمأكل وكذلك الثقافة والتآلف الاجتماعي وخاصة عند انشغال الوالدين أو تدني مستواهما التعليمي .

ج - البعد السياسي :
إن العمالة الوافدة وخاصة الأجنبية في العالم العربي قد تصبح في المستقبل القريب مصدر إحراج بل وضغط علي الدول العربية ومنها السودان بدعوى حماية مصالح رعاياها لتجد مبرراً للتدخل لاستمرار تدفق الأموال عليها لتحسين ميزان مدفوعاتها والتخفيف من حد البطالة بها .
د - البعد الاقتصادي :
تشكل العمالة الوافدة مصدر استنزاف للموارد الاقتصادية نظير الأجور التــي يتقاضونها وإلى التكلفة المالية غير المباشرة لهذه العمالة كبيرة العدد نتيجة لتحمل الدولة الجانب الكبير من هذه التكلفة عن طريق الدعم المباشر وغير المباشر للخدمات (الرعاية الصحية والتعليمية ، والمواصلات ، الكهرباء ، المـواد الغذائية … الخ ) .
وقد قدرت بعض الدراسات- الخليجية - هذه التكلفة ، وذلك تحت ما يسمى بأجر الظل (Shadow Wages) بأكثر من ضعفي الأجر النقدي .

الأسباب الرئيسية لتدفق العمالة الوافدة إلي السودان:
أولاً :الطفرة النفطية ومشاريع البناء الحضاري :
أدت الطفرة النفطية خلال الخمس سنوات الأخيرة إلي ازدياد العائدات النفطية ولتوظيفها في مشاريع التنمية الاقتصادية ومشاريع إنتاج النفط والبنية الأساسية والتوسع العمراني ، فكان لابد من استجلاب العمالة الوافدة الماهرة والعادية ، وذلك للرغبة في توفير الحياة العصرية الحديثة للمواطنين وتهيئة الظروف المناسبة للتوسع في مشروعات الإسكان والطرق وغيرها من مشروعات البنية الهيكلية ومختلف الخدمات الأخرى .
ثانيا :تدني أجور العمالة الوافدة:
يعتبر هذا العنصر عنصراً حاسماً في القضية فلو كانت أجورهم عالية أو مرتفعة لتردد كثير من أصحاب العمل في استقدامهم أو على الأقل لكان هناك تفكير قبل الإكثار منهم ، وكذلك ساعدت سوء الأوضاع الاقتصادية وانخفاض الأجور وانتشار البطالة في الدول المصدرة لهذه العمالة .
الموقع الاستراتيجي للسودان :
يتضح مما سبق أن أسباب تدفق العمالة الأجنبية لها ما يبررها ؛ إذ أن السودان أصبح بعد ظهور النفط مركز جذب للعمالة من الدول الفقيرة ذات الأوضاع الاقتصادية البائسة ، ولا يمكن أن نغفل النقلة الحضارية المادية المتدرجة التي بدأت في السودان واتجاهها نحو التنمية ناهيك عن أن هذه المنطقة الإستراتيجية التي يتقاطع عندها المحور الأفريقي الممتد من القاهرة إلي رأس الرجاء الصالح والآخر الممتد من داكار علي شواطئ الأطلسي إلي مصوع عند ساحل البحر الأحمر مما يجعله مرشحاً كسوق مهم للسلع والمنتجات التي تصدر من الدول الصناعية إليها ، فعجلة التنمية كلما تحركت بصورة سريعة ؛شجعت معها آلاف من العمالة إلي الوفود إلي السودان ويحفزها قلة عدد السكان فيه و ورغبتهم فيهم لرخص العمالة الأجنبية .

مصادر ونوعية العمالة الوافدة :

العمالة الموجودة في السودان من قارات العالم كلها تقريبا وتشكل آسيا كما ذكرنا نسبة 4.54% من جملة العمالة الوافدة حيث يبلغ عددهم (16274) ويتمركزون في قطاعات حيوية مثل (البترول والكهرباء والطرق والجسور) وتحتل الصين المرتبة الأولى بنسبة عمالة وصلت إلى (51%) من إجمالي عدد الآسيويين بالسودان. وهناك عمال من باكستان والهند وبنغلاديش والفلبين وأغلب عمال هذه الدول يعملون في القطاع الصناعي كالسكر والصناعات الغذائية والمهن اليدوية التي تتطلب مهارة عالية في مجالات كالبناء والتشييد والنسيج والمجالات الطبية كالمستشفيات ومهنة خدم المنازل والمربيات. لدينا في السودان عمالة من دول آسيوية عربية مثل سوريا ولبنان التي ارتفع عدد عمالها المقيمين بالسودان من (288) عاملا في العام 2003م إلى (311) في العام 2004م فيما ارتفع عدد العمال السوريين من 642 عام 2003م إلى 653 في العام 2004م. ويعمل أغلبهم في تجارة الأطعمة والكافتيريات والفنادق وقيادة الشاحنات والبصات السفرية.
العمالة الإفريقية معظمها من مصر وأثيوبيا واريتريا والنيجر والصومال ونيجيريا وعددهم حوالي 11869 ويعمل معظم المصريين في مجال التدريس والبناء والتشييد بينما تتركز العمالة الإثيوبية والاريترية في العمل بالمطاعم وقيادة الشاحنات والحلاقة وخدم المنازل والمهن البسيطة مثل بائعات الكسرة والشاي... ويعمل عمال النيجر ونيجيريا في مهن هامشية كالعتالة (حماليين ) وصيانة الساعات والأجهزة الكهربائية وأعمال الدجل والشعوذة.وأما العمالة الأوروبية فقد ارتفع عددها من 5785 عاملا في العام 2003م إلى 6670 في العام 2004م ومعظمهم من تركيا وبريطانيا ويعمل هؤلاء في مجالات النقل والمطاعم والمخابز والكافتيريات والمهن الحرفية الماهرة كالبناء والتشطيب والديكور وصناعات الألمونيوم والأخشاب.
و الوافدون من الأمريكتين وهم غالبا من كندا وأمريكا يعملون في المنظمات الدولية والاغاثية ويعملون أيضا كخبراء في المجالات الحيوية بالبلاد.
نحتاجهم ولكن!
في تصريح منسوب للواء ركن معاش معتصم الريح عبيد – أوردته صحيفة سودانية - و الذي يعمل في إدارة شركة تعمل في مجال النفط وهو القطاع الذي يستوعب إعدادا كبيرة من العمال الوافدين.. قال: نحن بحاجة ماسة إلى العمالة الجانبية لأننا كسودانيين لا نعمل في بلادنا مع إننا نعمل بالخارج. وأضاف إن العمالة السودانية في الخارج مميزة وهو الشيء المحير.. لماذا تعمل بكفاءة في الخارج وتعجز عن العمل ببلادها. وقال إن المستثمرين ليست لديهم ثقة في العمالة السودانية لذا يلجأون الى العمالة الأجنبية.بالإضافة إلى أن بعض التخصصات المطلوبة في مجال البترول مثلا غير متوفرة في السودان.. ولم يدرسها السودانيون. فالتعليم في بلادنا بعيد عن حاجة العمل وحاجة البلد , ويذهب غالبا نحو الدراسة النظرية , وحول استفادة السودانيين من خبرات هذه العمالة الوافدة يرى اللواء أن اللغة ستكون حائلاً بينهم ويريدون ؛ لأن بعض المهندسين السودانيين لا يجيدون اللغة الانجليزية لذا يجدون صعوبات عديدة في العمل.
ولكن العامل السوداني سيجد نفسه مضطرا للارتقاء بمستواه المهني حتى ينافس العمالة الأجنبية ,وهو أمر حسن بالإضافة الى تغيير أنماط سلوك مهنية ظلت سائدة في السودان مثل عدم احترام الوقت والعناية بتجويد العمل والكسل وتغيير الثقافات الغذائية . بالإضافة الى أن رأس المال الأجنبي وفر بعض فرص عمل ،هنا وهناك، للعمالة السودانية رغم الشكاوى المتكررة من بعض أصحاب الشركات السودانية الذين يشكون من المنافسة القوية التي يجدونها من الشركات الأجنبية التي تحصل غالباً على العطاءات (المناقصات) وهو الشيء الذي سيؤدي مستقبلاً الى خروج الشركات السودانية من سوق العمل.
العمالة التي بدأت تفد للسودان لا تجعل التحدي وقفاً علي وزارتي الداخلية والمالية فحسب ولكن تبسط على كاهل المجتمع كله ،فالدعاة ينفتح أمامهم مجالا جديداً للدعوة ولابد لهم من لغة أجنبية يجيدونها والسياسيين لا بد لهم من إجتهاد تخطيطي يستثمر خبرات الوافد لمصلحة البلد ،والقانونيين أمامهم فرصة للتنظير في قوانيين العمل بما يحفظ حق الوافد المادي والأدبي وبما يحفظ حقوق الوطن ...الجميع أمام تحدي وفي مقدمتهم الأسرة السودانية.

علِّق

Type the characters you see in this picture. (verify using audio)
Type the characters you see in the picture above; if you can't read them, submit the form and a new image will be generated. Not case sensitive.