ونجت باشا وصناعة التاريخ السوداني

صدرت مؤخراً أول ترجمة لكتاب (عشر سنوات من الأسر في معسكر المهدي) للقس: جوزيف أورفالدر، الذي نقله إلى العربية السفير عوض أحمد الضو.. والقس أورفالدر مؤلف الكتاب هو نمساوي الأصل قضى عشر سنوات في معسكر المهدي من العام 1882 حتى 1892م، قبل أن يتم تهريبه من السودان بترتيب من الكنيسة المصرية مع ونجت باشا مدير الاستخبارات العسكرية في الجيش المصري آنذاك.
وونجت باشا الذي صار فيما بعد حاكماً للسودان – بعد كتشنر الذي أعاد الاحتلال- هو الذي دفع أورفالدر إلى كتابة مذكراته عن الأوضاع في دولة المهدي، حين طلب منه تقريراً للاستخبارات حول تجربته في الأسر عند المهدويين، ورحلة هروبه..
وونجت باشا هو الذي طلب إلى النمساوي رودلف سلاطين - الذي كان أسيراً هو الآخر عند الأنصار- كتابة مؤلفه (السيف والنار) الذي حقَّقه ونشره ونجت نفسه!!..وونجت هو الذي دبَّر هروب الرجلين بالجمال عبر الصحراء النوبية؛ أورفالدر أولاً ثم أعقبه سلاطين في 1895م!!.
ويذهب بعض المحققين أمثال د.أبوشامة إلى أن ونجت هو المؤلف الحقيقي لكتاب سلاطين (السيف والنار)، فسلاطين حسب المتوافر عنه لم له حظ كبير في التعليم، وكان أقرب للأمية!!..وفيما يبدو أنه قص ما عنده لونجت الذي قام بتحويل أقوال سلاطين تلك إلى كتاب.
ولكن تجربة الإيعاز للآخرين بالكتابة حول تاريخ المهدية لم تكن هي جهد ونجت الوحيد، بل هو الآخر كان قد أصدر قبلهما كتاباً تحت عنوان (المهدويَّة والسودان الإنجليزى ـ المصرى) في العام 1891م.
أرجوا ألا تقع في الخطأ وتحسب أن ونجت كان محباً للعلم والأدب والتاريخ، حتى يكتب ويطلب من الآخرين أن يكتبوا.. ولكن ونجت كان يقوم بعمل من صميم عمله الاستخباراتي في خدمة أهداف التاج البريطاني الاستعمارية..تلك الكتابات كان تمهيداً لترتيبات الغزوة التي أعادت فيها بريطانيا استعمار السودان في العام 1898م.. وكان دليلاً هاماً اعتمدته الإدارة البريطانية في محو آثار المهدية، وهي نفس الطريقة التي شُوِّه بها تاريخ المهدية الحركة والدولة!!..وبسبب تلك الكتابات وغيرها ظل اسم الدولة المهدية إلى عهد قريب من الاستقلال، حتى في الإعلام السوداني هو (دولة الدراويش).
إذاً فونجت باشا كان رجلاً مؤثراً بشكل أساسي في تاريخ السودان، وثقافته..بل هو المسؤول أيضاً؛ ليس عن التاريخ السالف، بل التاريخ الحاضر الذي تشكل بعده، ومازال يتشكل حتى الآن!!.
فونجت باشا هو الذي وضع اللبنات الأولى لسياسة الإنقلاب الثقافي في الجنوب السوداني، من الثقافة العربية إلى الثقافة الإنجليزية، ومن القرآن إلى الإنجيل!!.. فهو الذي أمر بتعميم التعليم باللغة الإنجليزية في الجنوب بدلاً من العربية التي كان يفهمها غالب الجنوبيين!!..وهو الذي بدأ بتحويل العطلة الأسبوعية في الجنوب من يوم الجمعة إلى يوم الأحد في العام 1910م، وكان يرعى بصورة مباشرة عمل الإرساليات التنصيرية في الجنوب.
وهكذا وضع ونجت اللبنات الأولى لكل التدابير التي اتخذتها الإدارات البريطانية للاحقة للفصل بين الشمال والجنوب، وترسيخ الإشكال الثقافي بين شطري الوطن، تلك التي أدت في خاتمة المطاف إلى الدفع بالنخبة الجنوبية إلى حمل السلاح وإشعال الحرب بين الشمال والجنوب التي لم تنطفئ حتى الآن..حتى بعد توقيع اتفاق نيفاشا الآخير.

التصنيفات: 

علِّق

Type the characters you see in this picture. (verify using audio)
Type the characters you see in the picture above; if you can't read them, submit the form and a new image will be generated. Not case sensitive.