التسوّل.. بين الحاجة والامتهان!!

تاريخياً كانت ظاهرة التسول مقرونة بالفقر و الاحتياج، و كانت حكرا على فئة معينة بذاتها من فقراء ومساكين وجدوا أنفسهم على هامش الحياة لا معيل ومعين.. أما اليوم فلقد اتسعت الدائرة كثيرا ويرجع ذلك لغياب الضبط والقانون الواضح للحماية الاجتماعية، ولتفاقم حدة البطالة بموجة التسريح التي شملت آلآف المناصب.. وعالم التسول مليىء بالأسرار و الألغاز المحيرة، ويضم أشكالا مختلفة من المتسولين..
ويحق لنا أن نتبيّن أن لكل ظاهرة اجتماعية جملة من المشاكل و الدوافع..
ويمثل (التسول) و(البيع عند الإشارات) وجهان لعملة واحدة، وإن فُرِّق بين هذين الوجهين واعتبر كلٌّ منهما ظاهرة لوحدها، حيث تعرِّف دراسة حديثة التسول بأنه:(مد الأكف لطلب الإحسان من الغير، أو عرض سلع للبيع بإلحاح شديد أقرب ما يكون إلى التسوُّل منه إلى البيع؛ بهدف الحصول على مبلغ من المال من قبل مجموعة من الأطفال عند إشارات المرور، وفي الشوارع غالبا)!!..
وبرزت هذه الظاهرة المزعجة مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية العديدة التي تشهدها بلادنا!!.. وأصبحت في تزايد مستمر، بل وتعاظمت وتفاقمت رغم أنها ليست جديدة؛ و لكن عمليات التطور تنعكس بأدائها على المجتمع بصورة من الصور أيًّا كانت سواء بالإيجاب أو السلب، ولكل منها مزايا وعيوب؛ ذلك لأن التحولات الاقتصادية السريعة التي يمر بها المجتمع تؤدي إلى تزايد نطاق بزوغ ظاهرة الأطفال المشردين، ويظهر هذا جليا في ضوء ضعف الرعاية الاجتماعية التي يجب أن تتوافر!!
ومما لا شك فيه أن المجتمع بأفراده ومؤسساته يتحمل الثمن نتيجة تزايد الأحداث المشردين، وبالتأكيد فإن ذلك ينعكس بدوره على الاستقرار الأمني والاقتصادي والثقافي في ظل تنشئة غير سليمة؛ فيصبحون ضحية لمحترفي الإجرام من الفسق والدعارة والسرقات والمخدرات، وقد يصل بهم الأمر إلى العنف السياسي، وهم مغيبون بلا وعي وبلا هدف، وكل هذا يؤدي إلى هدم الكيان الاجتماعي.. فهم يستخدمون أطفالا للوصول إلى قلوب الناس ومن ثم جيوبهم؛ كما هو مشاهد السوق العربي، وكافتيرياته، وفي الشوارع العامة، وأمام مركز عفراء ... إلخ!!

الأسباب المؤدية للظاهرة
إن التسول ظاهرة غير حضارية، تعطي انطباعا وتصورا غير محمود عن المجتمع الذي تظهر فيه، وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: (لا تزال المسألة بأحدكم حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)، وقد امتهن هذه الظاهرة كثير من ضعفاء النفوس الذين يستغلون عطف الناس وطيبتهم!!..
إن الأسرة الإسلامية هى عماد الدين، وأيضا هي عماد المجتمع؛ ففي صلاحها صلاح المجتمع، وفى فسادها فساد المجتمع بأسرة.. ولهذه الظاهرة الخطيرة عوامل عدة:

النزوح من الريف إلى المدينة
النزوح من الريف إلى المدينة؛ بحثا عن العمل؛ نظرا لتقلص فرص العمل بالريف من ناحية، وبحثا عما توفره المدينة من ظروف رفاهية وحياة عصرية يتوق إليها البشر..وتنتشر هذه الظاهرة في ولاية الخرطوم، والمدن الكبرى بالولايات التي يفد إليها المهاجرون من الريف، واللاجئون من القبائل الإفريقية المجاورة؛ باحثين عن حياة أفضل.. وبما أنه لا يوجد تشريع ينظم مسألة التسول في السودان فتم الأخذ بقانون النظام العام لولاية الخرطوم للعام 1996م والذي عرَّف المتسول بأنه:(الشخص الذي اعتاد التكسب باستجداء الناس بالسؤال المباشر، أو عن طريق جمع الصدقات أو التبرعات)..
ويقول القانون في مادته العاشرة (أ) الفصل الرابع أنه:(لا يجوز ممارسة التسول، والتكسُّب منه، أو التحريض على ممارسته، كما لا يجوز جمع أي تبرعات أو صدقات دون إذن مكتوب من المحلية المختصة)!!..
* آدم عمر عبدالله – معلم
في رأيي أن السبب الأول في انتشار هذه الظاهرة يعود إلى الهجرة العكسية من الريف إلى المدينة التي تزدحم ليلاً نهاراً، حتى صارت (كرش فيل)!!..
* عبدالله الزبير يوسف - رب أسرة
ظاهرة التسول منتشرة في كل دولة ومجتمع، ولا يخلو مكان منها، وتساهم فيها الهجرات المستمرة إلى المدن التي تمثل الحضارة والمدنية، ويوجد بها كل شيء!!..

الانقطاع المبكر عن الدراسة
إن التسرب أو الانقطاع المبكر عن الدراسة يعدّ من بين الأسباب التي تجعل الطفل في حالة من الفراغ تدفع به إلى الشارع بحثا عن الحرية التي يفتقدها داخل المدرسة وداخل أسرته، وكذلك لتمضية الوقت في اللعب وممارسة أنشطة هامشية داخل مجموعات من أقرانه تصل إلى حد السرقة والاحتيال والغش والتدخين وغير ذلك من السلوكيات الانحرافية!!..
* محمد صالح الجيلي - موظف
ترك الدراسة مبكراً يجعل الطفل يتمسك بالشارع والبحث عن الحرية التي كان يفتقدها داخل مدرسته، وبعدها يسير في طرق الانحراف المتعرجة!!..
* نزار الصادق الأمين - طبيب
التسول ينهي حياة الإنسان مبكراً، لا سيما عندما يكون طفلاً صغيراً، فإنه سيعيش في نفق مظلم خالي من التعليم والدراسة المدرسية!!
* محمد جعفر الزين - خريج
التسول دائماً يبدأ من ترك الطفل المدرسة منذ وقت باكر، ويتجه لإدمان هذه المهنة التي صارت مهنة تدر الأموال الطائلة؛ بغض النظر عن الاحتيال، وفنون الإقناع التي يمارسها كثير من هؤلاء المتسولين اليوم!!

الظروف الاقتصادية للأسرة
إذا سلمنا بأن الطفل هو نتاج للبيئة الأسرية التي يتربى فيها، وبأن ظروف نشأته تحدد مسار حياته، فإن الأطفال الذين ينتمون إلى أسر فقيرة أو محدودة الدخل هم الأكثر عرضة إلى الخروج إلى الشارع للعمل بصفة مبكرة، ولامتهان ما يسمّى بالتسول؛ وهي مهنة لا تكلفهم عناء أو مشقة، ويجبر هؤلاء الأطفال للعمل بصفة مبكرة لمساعدة عائلاتهم، ويكون ذلك من تلقاء أنفسهم، أو بإيعاز من الأولياء!!
* عبدالقادر علي بريمة - طبيب
في اعتقادي أن الأسباب الاقتصادية لها دور كبير في انتشار التسول وامتهانه كمصدر للحياة المعيشية، فإن كثيرا من الأسر اليوم عصفت بها الحياة ورياحها إلى عالم المجهول!!
* أحمد عثمان كامل - طالب بجامعة الخرطوم
الظروف الاقتصادية المعروفة لدينا ساهمت في تفاقم وازدياد هذه المهنة التي صارت شركات خاصة؛ تعمل فيها مجموعة كبيرة من المتسولين؛ تحت قيادة إدارية تخطط وترسم لتوزيع أفرادها المتسولين وفق خرطة معينة!!
* حماد عبد العزيز - موظف
الظروف الاقتصادية للأسر دائماً ما تولد بعض الأشياء التي قد تفتك بمستقبل أبنائها، وتقذف بهم في اتجاه التسول أو السرقة أو...!!

التفكك الأسري
إنّ تعرض الأسرة إلى الهزّات، وتصدعها، وتدهور العلاقات داخلها من شأنه أن يصيب أفرادها بتأثيرات سلبية، وتعكرات نفسية تدفع بهم إلى اضطرابات سلوكية.. والطفل وبحكم هشاشته يكون الضحية الأولى لتفكك أسرته سواء بالطلاق أو باليتم.. وإنّ فقدان الطفل للشعور بالانتماء وبالأمان داخل أسرته يجعله يبحث عن البديل خارج المحيط العائلي، فيهرب إلى الشارع.. ويزيد انشغال الأولياء بمشاكلهم من شعور الطفل بالاغتراب؛ بحكم فقدانه للرقابة والرعاية الأبوية؛ فيجد المجال واسعا للخروج إلى الشارع ليلهث وراء لقمة العيش، وتمضية أوقات ممتعة مع رفاقه!!
* فيصل محجوب علي - تاجر
الحقيقة بالنسبة للاحتياج أن هناك احتياجا ضروريا، وهناك احتياج للكماليات؛ وهناك بعض الأسر فعلاً تكون محتاجة، وتنقطع مساعدتها، وهناك أسر قد تكون محتاجة ولكن وجدت التسول أسلم وأسهل وأسرع طريقة لكسب الرزق، حيث إنه عندما يبحث رب الأسرة عن عمل ويجده بمرتب مائة وخمسين دينارافقط يرى أن التسول أسهل؛ لأنه ليس فيه التزام.. بل مجرد أن تبقى في السوق أو مكانٍ ما تتسول وينتهى الموضوع، وتجمع في يومين ما قد تحصل عليه في شهر لو كنت تعمل.. وهذه هي الظاهرة حقيقة!!
* إبراهيم عبد السلام محمد - رب أسرة
المشاكل الأسرية تساهم في انتشار التسول؛ فعندما تكون هناك خلافات مستمرة بين الوالدين فإن الطفل ستكتب له شهادة ضياع في الشارع، فهو يريد أن يهرب بعيداً إلى عالم يريد أن يحقق فيه عيشة هنية!!
* العجمي تاج السر جابر - رب أسرة
الآثار الأسرية لها خطورتها على مستقبل أبنائها الذين يتجهون لدروب متعرجة، وامتهان مهن هامشية كالتسول، وممارسة أساليب الإحتيال والغش و...!!
* عصام بدري الطاهر - مزارع
الأسرة هي السبب الرئيس في انتشار هذه الظاهرة الممتهنة للرزق دون تعب أو اجتهاد؛ فالأبناء الذين يعيشون وسط أجواء مكفهرة من الخلافات بين الوالدين بالطبع سيصيرون متسولين أو مفسدين أو...إلخ

الآثار النفسية!
إن مشكلة امتهان التسول لا تقف بالطبع عند سبب واضح ومحدد، بل بالتأكيد هناك أسباب كثيرة تتفاعل معاً لتكوين هذه الظاهرة، واتجه علماء النفس إلى اعتبار ظاهرة انحراف الأحداث هي ظاهرة نفسية ترتبط بذاتية الحدث.. أما الآثار النفسية التي يقع تحتها الأطفال من الاضطرابات النفسية، والخوف، وانعدام الثقة بالآخرين تطبعهم بسمات منها الشغب والعند والميل إلى العدوانية إلى جانب الانفعال والغيرة الشديدين ويصاحبها ضعف المبادئ، والتخلي عن القيم، وضعف الانتماء، ووجود أزمة هوية يشعلها الشعور بالظلم، والرغبة في الخروج على المجتمع، وحب
امتلاك الثروة، والتملك، والتشتت العاطفي!!
* عمار عبد الماجد - خريج علم نفس
الآثار النفسية التي يقع تحتها الأطفال مثل الاضطرابات النفسية، والخوف، وانعدام الثقة بالآخرين تطبعهم بسمات منها الشغب، والعند، والميل إلى العدوانية، إلى جانب الانفعال والغيرة الشديدين، ويصاحبها ضعف المبادئ، والتخلي عن القيم، وضعف الانتماء، ووجود أزمة هوية يشعلها الشعور بالظلم، والرغبة في الخروج على المجتمع، وحب امتلاك الثروة، والتملك، والتشتت العاطفي!!
* كمال الطيب البخاري - فني تخدير
نسبة الأطفال المتسولين عالية، والنسبة فاجعة حقيقية، وهي مصيبة اجتماعية؛ فهؤلاء الأطفال يتعرضون -وفقا لدراسة- إلى الاستغلال المادي، والاعتداء الجنسي؛ مما يعرضهم فى هذه السن المبكرة لأمراض نفسية وسلوكية، وغدا فى كبرهم سيصبحون (متسولين، لصوصا، مروجي مخدرات، و...إلخ) وهكذا الطفولة؛ تغتصب وتعذب وتنتهك براءتها!!.

للتسوّل فنون!!
خرجت أدوات التسوّل وأشكاله عن مقاصد الحاجة والعوز؛ وانتقلت مبرّراته من (الدفاع عن الحرمان، ومجابهة قسوة الظروف الحياتية) إلى شكل من أشكال الأداء اليومي لفئة متخصّصة في جمع المال ومحاولة (اقتناصه)، ولم تعد (الشحدة) -الاسم الأصلي للتسوّل- وسيلة الفقراء للحصول على رزقهم أو ما يكفي من الرزق؛ بل غدت مهنة لفئة استطابت (البحث عن المال) بأدوات تفاوضية فطرية قريبة من النمط الاجتماعي السائد، والمستند إلى الاستجابة العاطفية لشكاوى الناس ومظاهرهم الجسدية.. لا يكتفي (مهنيّو التسوّل الجدد) بالتجوال في شوارع المدينة، وأزقة الأحياء، وقلب السوق العربي؛ بحثا عن فرص إضافية لالتقاط ما يسعون إليه؛ بل انتهجوا أدوات مبتكرة في مسعاهم لقطف الثمار، ومن أكثر أدواتهم الحداثية المبتكرة ما يتمثل في السيطرة على مواقع محدّدة؛ أيْ إنهم يعملون على الواقف؛ ولا تكاد حركتهم أن تتجاوز عشرة أمتار وحسب؛ فالمتسوّلون الآن -ومعظمهم من النساء والأطفال- يحتلون أرصفة المواقع التجارية الاستراتيجية في المدن؛ بما في ذلك واجهات البنوك، والمؤسسات العامة، وأماكن المركبات العامة والكافتيريات، ولا يتركون (حالة ربح مفترضة) تفلت من بين أيديهم!!
* في القصص المشاهدة على مسرح السوق العربي اليومي نساء يحاولن فرض الأمر الواقع على الناس؛ بأساليب من ضمنها الملاحقة، والتفاوض عبر: (يا ولدي أقيف النسألك)، وربما السرقة إنْ أتيح لهنّ ذلك بعد فشل الوسائل السلمية!!
فالمتسوّلات يربكن المشهد الحضاري في المدن والتجمعات الكبيرة، ويتسببن في إعاقة الحركة أمام المارّة، وأحيانا يكنّ سبباً في حادث مرور أو سير.. والمطلوب أكثر من محاولة توعية، ومحاولة ملاحقة حالات فردية للنساء والأطفال هنا وهناك؛ فالظاهرة في اتساع وتمدّد، والتسوّل صار مهنة غير مرخصة؛ تنافس المهن الأخرى، وتخلط الحاجة بالسرقة، فيما يختفي وجه الفقير عن المشهد!!..
المشكلة لم تعد قابلة للانتظار، ولا ينفع معها سوى جهد كبير واضح لوزارة الرعاية الاجتماعية، وجهد مماثل للجهات الأمنية المختصة، يضاف إليهما سلوك اجتماعيّ لا بد من تكريسه لرفض الظاهرة، وعدم التعاطي معها مهما كانت ملاحقات المتسوّلات، وأحجام دموعهنّ..
إن الفقراء لا يخرجون إلى الشوارع بحثاً عن حاجة، وليس منهن هؤلاء النساء الجدد اللاتي يرتدين (النقاب) كأسلوب جديد للتسول في الشوارع؛ ويحملن في جيوبهنّ أجهزة هواتفهن الخلوية؛ وكأنهنّ يخضعن لعمل منظم في شركة تسوّل متخصصة!!..

مشاهد مؤلمة متكررة!!
يُبْدِي المجتمع اهتماما خاصا بمدى تزايد القلق من ارتفاع معدلات الجرائم التى ترتكب باسم التسول، وأخذت تتطور وتأخذ أشكالا وصورا جديدة من الانحرافات؛ التي أدت إلى خلق مناخ من الخوف؛ مما كانت له آثار واضحة فى خلخلة النظام الاجتماعي، بل ويؤدي إلى تهديد النظام الاجتماعي؛ ولذلك فإن التصدي إلى هذه المشكلة يتطلب معرفة الأسباب الحقيقية التى تؤدي إليها؛ والتي نسمعها كثيراً من وزارة الرعاية الاجتماعية؛ ومما لاشك فيه أن الأطفال عندما يتقدمون في السن؛ ويخرجون من مرحلة الطفولة فإنهم ينشدون لأنفسهم سلوكا وأسلوبا يصبح كمنهج ومبدأ لهم في خوض الحياة الخاصة بهم..
* سألت أحد الأطفال بالقرب من سينما النيلين بالخرطوم: لماذا لا تتجه إلى عمل أفضل؛ فبعد أن شعرت أنه تضايق لسؤالي قال بكل جُرأة:إنه اعتاد على التسول؛ ولا يستطيع التخلي عن هذه المهنة التي أصبحت كالتدخين بالنسبة له.. فلماذا أكفّ عن التسول؟
* نساء يحاصرن المارّة والخارجين من كافتيريات السوق العربي والمحال التجارية والبنوك والمساجد على طريقة (يا ولدي أقيف انّسألك).. ويحاولن الحصول على (رزق أو حقّ في مال الآخرين)؛ تارة بالاستعطاف ونهج البكاء، وأوراق مدموغة تحوي مفردات عامة غير مفهومة؛ تشير إلى مرض أو قصة غير واقعية.. وتارة أخرى بالضغط على الأفراد، ومحاولة الإمساك بهم، أو ملاحقتهم بواسطة الأطفال الذين يحيطون بالمسجد الكبير بالخرطوم مثلا.. فيما تتخصص نساء بارعات في تنفيذ الأداء قرب المحال التجارية؛ حيث لا يجد المواطن مفرا من الاستجابة لطلبهنّ، وإذا ما عبّر أحدهم عن رفضه التبرع بحجة (عدم وجود فكّة) تبادر المتسولة إلى تكذيبه مدعمة أنها شاهدت بعينيها بقايا النقد المعدني الذي وضعه في جيبه بعد انتهائه من شراء
بضاعته!!

متسولون أجانب!!
إرتفعت نسبة المتسولين إلى درجة عالية سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، ولكن الجديد في الأمر هو ظهور متسولين أجانب ينافسون المتسولين الوطنيين!!.. فقد شاهدنا ذلك في بعض المساجد والشوارع!!

حركة بدون حركة!!
من المؤسف حقا أن المسؤولين عن مكافحة التسول، أو القائمين على الشأن الاجتماعي في هذا الوطن عندما يتحدثون عن التسول كظاهرة سلبية يركزون على وعدهم بتقليل هذه الظاهرة، ولكن الوضع يزداد سوءا يوماً بعد يوم!!..
وأخبار مكافحة التسول تملأ الصحف، والتجاوب مع الإبلاغ عن المتسولين يتم بلمح البصر..

أمن المجتمع
قامت وزارة الشؤون الاجتماعية والثقافية بولاية الخرطوم (إدارة الرعاية الاجتماعية) بالتعاون مع إدارة أمن المجتمع بإجراء دراسة عن (ظاهرة التسوُّل.. المشكلة والحلول) في العام 2002م، حيث أوضحت الدراسة أن التسوُّل أخذ عدة أنماط؛ منها: (التسول المباشر)؛ وهو وجود المتسولين حول الأماكن العامة، والمدارس، ودور العبادة، والمستشفيات، والأسواق.. و(التسول عن طريق استغلال الأطفال)، و(عن طريق المعاقين)، بجانب (التسول قرب دور العبادة والمستشفيات
بطلب المساعدة لعلاج مريض أو إعانة أسرة أو سفر).
إدارة أمن المجتمع هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الظواهر السلبية في مجتمعنا؛ فماذا قال المقدم شرطة يوسف مساعد البشير من إدارة أمن المجتمع عن التسول؟!:إن ظاهرة التسول أصبح يمارسها الصغير قبل الكبير، والمرأة قبل الرجل، والصحيح قبل المعاق.. مشيرا إلى أن الأسباب الرئيسية لظاهرة التسول تعود إلى الحروب الأهلية، والاضطرابات الأمنية، وزيادة عدد السكان؛ في ظل محدودية الموارد والخدمات.. كما أن ظاهرة الجفاف والتصحر التي بدأت منذ الثمانينات كان لها الأثر المباشر في زيادة المتسولين، مع تذبذب وقلة الأمطار السنوية، بجانب انتشار معدلات البطالة، والانتقال من الأرياف والولايات والهجرة للمدن الكبرى، إضافة إلى انتشار الجهل، وزيادة معدلات المعاقين..
ويضيف المقدم شرطة يوسف مساعد البشير -من إدارة أمن المجتمع- أنه -وحسبما ورد في قانون النظام العام لولاية الخرطوم للعام 1996م في مادته العاشرة- فإن دور الإدارة يتمثل في شنّ حملات على مواقع وجود هذه الفئات، وجمعهم، وتصنيفهم، وإرسال كبار السنّ منهم لدور العجزة والمسنين، وتقديم المقتدرين للمحاكمة، وتحويل الأطفال لدور الرعاية والمعسكرات، وأنه خلال الأعوام الخمسة الماضية قامت الإدارة بشنّ (1851) حملة على المتسولين تمّ فيها ضبط (8061) متسولاً ومتسولة، وخلال العام 2004م تم شنّ عدد (651) حملة ضبط خلالها عدد (3520) متسولاً ومتسولة، مشيراً إلى أنه ليس هنالك حصر لمنسوبي هذه الفئة، وقد يتم ضبط
الحالة الواحدة في أكثر من موقع، وفي أكثر من مكان وزمان؛ مما يؤدي لصعوبة الحصر.. موضحاً أن الإدارة تعاني افتقار العمل في هذا الجانب للوسائل الصحية والوقائية من الأمراض المعدية، إضافة إلى قلة دُور الرعاية، ومحدودية سعة الموجود منها..

ماذا قال علماء الاجتماع؟
الخبير الاجتماعي عادل محمد الطيب عربي يقول: إن من أسباب التسول الكوارث الطبيعية، والأمراض المزمنة.. مشيراً إلى أن من الأساليب غير المباشرة للتسول مسح زجاج السيارات، وردم الحفر في الشوارع.. وقد بذلت إدارة الرعاية الاجتماعية التابعة لوزارة الشؤون الثقافية والاجتماعية بولاية الخرطوم جهوداً لعلاج هذه الظاهرة، وخاضت عدة تجارب؛ إذ أصدرت أمراً محليا من والي الخرطوم يمنع التسول وممارسته، كما قامت بحملات عديدة لمعالجة ظاهرتَي التشرد والتسول، وأجرت الإدارة دراسات وبحوثاً اجتماعية باختيار عشوائي لعدد (500) متسول، بجانب قيام معسكرات مؤقتة لفئات المتسولين في معسكرات (أبو دليق) بشرق النيل، ومعسكر (أم
ضوًّا بان) والجريف، وسوبا..
وحدد عادل محمد الطيب عربي الخبير الاجتماعي أولويات في هذا المجال، ومنها: إنشاء آليات قومية وولائية تحت إشراف وزارة الرعاية والتنمية الاجتماعية، وإعداد وتأهيل وتدريب القوى البشرية العاملة في هذا المجال، مع تمكين الأسر الضعيفة بوسائل الإنتاج، وإنشاء قاعدة معلوماتية، وإجراء دراسة اجتماعية قومية لتحديد حجم وأسباب الظاهرة..
فيما ترى إدارة أمن المجتمع أن الحلول تكمن في الحصر العلمي الدقيق للمتسولين، ودراسة حالة واحتياجات كل حالة على حدة، وتنمية وتطوير المناطق الريفية، والمناطق المتأثرة بالحروب والنزاعات الأمنية، وتطوير بيئة دُور الرعاية، وإعادة النظر في المادة (10) من قانون النظام العام، وتشديد العقوبة على من يمتهن التسول!!..

إدارة الرعاية الاجتماعية
ووضعت إدارة الرعاية الاجتماعية مؤشرات لخطة الولاية للعام 2005م لعلاج الظاهرة؛ حيث تم تنزيل السلطات للمحليات، وأدرجت برامج التسول في ميزانيات المحليات، وأصبح العمل التنفيذي يقع في إطار محليات الولاية، أما إدارة الرعاية الاجتماعية الولائية فينحصر دورها في التخطيط، والحملات، والجوانب الفنية، إضافة إلى الإشراف والمتابعة والتقويم..

الحكم الشرعي؟
للوقوف على معرفة الحكم الشرعي لهذه الظاهرة -ظاهرة التسول- قال الشيخ الدكتور محمد الأمين إسماعيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذّر في أحاديث كثيرة من التسول؛ ومنها قوله في مسند أحمد وغيره: (ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكن حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا أعزه الله، وما فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم).
وأبان أن الإسلام حث على إعطاء السائل في كثير من الآيات كقوله تعالى: (وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم)، ولكن الإسلام يحث على إعطاء السائل ويمنع التسول؛ ولكن للأسف صارت ظاهرة التسول هذه ممتهنة، وتفشت بصورة خطيرة في المجتمع؛ بعد أن سخرت بعض الأسر أبناءها وأطفالها من البنات والأولاد لامتهان التسول، بل وصارت هناك شركات للتسول تُدار عبر مسؤولين منهم، وعصابات تعمل بالتسول يوردون ما تسولوه بعد أخذ نصيبهم..
موضحاً أنه إذا كانت ظاهرة التسول متفشية وظاهرة في المجتمع فإن هناك خللا في هذا المجتمع؛ مثل أن يكون هناك سوء تربية، أو خلل في توزيع الزكاة ومصارفها، أو في الصدقات؛ فإذا كانت الزكاة تؤدى على أكمل وجه، وإذا كان الغني ينفق على الفقير، ويصرف عليه؛ لقلت هذه الظاهرة، وهي على كل حال ترجع المسؤولية فيها إلى الحاكم؛ في أن يحد من هذه الظاهرة وعلاجها.
ونبه الشيخ محمد الأمين إسماعيل بألاَّ يُنظر إلى هذه القضية بالنظرة السلبية المحضة، ولكن يجب أن ينظر إلى الخلل الذي أدى إليها؛ حتى يتم علاجه.

علِّق

Type the characters you see in this picture. (verify using audio)
Type the characters you see in the picture above; if you can't read them, submit the form and a new image will be generated. Not case sensitive.