لماذا يكون التقسيط حلالاً وقرض البنوك حراما؟

السؤال: 

لماذا شراء سيارة عن طريق البنك حرام ويعتبر ربا وشراء سيارة بالتقسيط حلال؟ مع العلم أن المبلغ الإجمالي في النهاية بعد السداد عن طريق البنك سوف يساوى المبلغ الإجمالي في النهاية بعد السداد عن طريق التقسيط.. فإذن ما الفرق؟ السؤال الآخر هو: هل القرض حرام؟ مع العلم أنني سوف أقوم بأخذ هذا المال وأشتري به مستلزمات الزواج أي الأثاثات والمفروشات اللازمة للزواج.. وهذا المال سوف يساعدني على الزواج ويبعدني عن ارتكاب المعاصي التي حرمها الله عز وجل... فهل هذه الحالة حرام أم حلال؟ أرجو المساعدة والرد على هذه الأسئلة مستعيناُ بآيات من القران الكريم و أحاديث من السنة... و جزاكم الله كل خير

الجواب: 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإني أحمد إليك أيها الأخ السائل حرصك على التعرُّف على أحكام دينك وحكم شريعتك، وأسأل الله أن يعلِّمني وإياك علماً نافعاً ويرزقنا عملاً صالحا، وجواب أسئلتك في جُمَلٍ أوصيك أن تعض عليها إن شاء الله:

أولاً: اعلم أن بناء الإسلام العقدي يقوم على الاستسلام لله تعالى في شأنك كله، والرضا بأحكامه كلها – قدرية ودينية – عملاً بقوله تعالى ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)) ويستوي في ذلك الأحكام المعلَّلة التي أدركنا وجه حكمتها، والأحكام التعبدية المحضة التي لم نعرف – تعييناً – الحكمة منها؛ عملاً بقول ربنا جل جلاله ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) مع يقيننا التام بأن تشريع ربنا لا يخلو من حكمة علِمها من علِمها، وجهِلها من جهِلها.

ثانياً: القرض الحسن مشروع، وهو باب من أبواب البر، وقد حثَّنا عليه ديننا؛ لما فيه من معاني التكافل والإرفاق وتفريج الكُرَب، وقد حثت الشريعة على إنظار المعسر والعفو عن بعض الحق أو كله؛ فقال سبحانه ((وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) وثبت في الصحيحين عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أتى الله بعبد من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عملت لي في الدنيا؟ فقال: ما عملت لك يا رب مثقال ذرة في الدنيا أرجوك بها، قالها ثلاث مرات، قال العبد عند آخرها: يا رب، إنك أعطيتني فضل مال، وكنت رجلا أبايع الناس وكان من خلقي الجواز، فكنت أيسر على الموسر، وأنظر المعسر. قال: فيقول الله، عز وجل: أنا أحق من يسر، ادخل الجنة} وفي مسند أحمد عن محمد بن كعب القرظي: أن أبا قتادة كان له دين على رجل، وكان يأتيه يتقاضاه، فيختبئ منه، فجاء ذات يوم فخرج صبي فسأله عنه، فقال: نعم، هو في البيت يأكل خزيرة فناداه: يا فلان، اخرج، فقد أخبرت أنك هاهنا فخرج إليه، فقال: ما يغيِّبك عني؟ فقال: إني معسر، وليس عندي. قال: آلله إنك معسر؟ قال: نعم. فبكى أبو قتادة، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {من نفس عن غريمه -أو محا عنه -كان في ظل العرش يوم القيامة} وفي المسند أيضاً من حديث بريدة رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة } قال: ثم سمعته يقول: {من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة} قلت: سمعتك -يا رسول الله -تقول: {من أنظر معسرًا فله بكل يوم مثله صدقة} ثم سمعتك تقول: {من أنظر معسراً فله بكل يوم مثلاه صدقة}؟! قال: {له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره، فله بكل يوم مثلاه صدقة}

ثالثاً: الغالب على البنوك – في زماننا هذا - أنها لا تقرض قرضاً حسناً بل البنوك الربوية تقرض بفوائد، وهي عين الربا المحرم؛ حيث اجتمع فيه نوعا الربا؛ أعني ربا الفضل وربا النسيئة، وأما البنوك التي تتقيد في معاملاتها بأحكام الشريعة الإسلامية فالغالب على معاملاتها المضاربة والمشاركة وبيع المرابحة للآمر بالشراء.

رابعاً: إذا اقترضت من البنك لشراء سيارة أو لأي غرض آخر؛ فأنت تأخذ من البنك مالاً وتعيده مالاً أكثر منه، وهذا هو عين الربا، وأما في حال شرائك إياها بالتقسيط مع زيادة في الثمن؛ فهذا بيع مشروع، وقد قال الله تعالى ((وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) فالأولى التي بينك وبين البنك مال بمال؛ ولم يجعل الله المال سلعة من أجل أن يباع، بل هو ثمن للأشياء ووسيط في المعاملات، وأما الثانية فهي مال بسلعة، ولا حرج في زيادة الثمن مقابل تأخير الدفع؛ لأن للزمن جزء من الثمن. والله تعالى أعلم.