مباحث في العقود (2)

قاعدة في سنن العقود :لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره بلا إذن أو إباحة من الشرع أو بولاية/B>
شرح مصطلحات القاعدة:
* لغة :
- يجوز: " جاز الموضع جوزاً وجؤوزاً وجوازاً ومجازاً. وجاز به وجاوزه جوازا وأجازه وأجاز غيره. وجازه: سار فيه وسلكه. وأجازه: خلفه و قطعه. و أجازه: أنفذه. و تجاوز بهم الطريق و جاوزه جوازا: خلفه. و أجاز البيع أمضاه".
وفي المصباح المنير :" جاز المكان يجوز جوزاً و جوازاً سار فيه. وأجازه قطعه. وأجازه أنفذه. وجاز العقد وغيره نفذ ومضى على الصحة. وأجزت العقد جعلته نافذا. وجاوزت الشيء وتجاوزته تعديته. وتجاوزت على المسيء عفوت عنه وصفحت. وتجوزت في الصلاة ترخصت فأتيت بأقل ما يكفي".
جاء في مختار الصحاح: "جاز الموضع سلكه وسار فيه. يجوز جوازاً وأجازه خافه و قطعه. واجتاز سلك، وجاوز الشيء إلى غيره تجاوزه وأجاز له أي سوغ له ذلك وأجازه بجائزة سنية أي بعطاء" .
- يتصرف: " الصرف رد الشيء عن وجهه. صرفه يصرفه صرفاً فانصرف. وصرف الشيء أعمله في غير وجه كأنه يصرفه عن وجه إلى وجه. و تصرف هو. ويتصرف لعياله أي يتكسب لهم".
و في المصباح المنير: " صرفت الأجير والصبي خليت سبيله. وصرفت المال أنفقته. وصرفت الكلام زينته"
- ملك: " ملكته ملكا. والملك بكسر الميم اسم منه. والفاعل مالك والجمع ملاك وشيء مملوك. وملك على الناس أمرهم إذا تولى السلطة فهو ملك. وهو يملك نفسه عند شهوتها أي يقدر على جسمها".
وفي مختار الصحاح: " ملكه يملكه بالكسر ملكاً بكسر الميم. وهذا الشيء ملك يميني. و ملك يميني و الفتح أفصح. والمملوك العبد. وملكه الشيء تمليكا جعله ملكا له. يقال المال و الملك فهو مملك"
- إباحة: " الإباحة الإذن في الفعل و الترك. يقال أباح الرجل ماله أذن في أخذه و تركه و جعله مطلق الطرفين ".
و في التعريفات: " الإباحة هي الإذن بإتيان الفعل كيف شاء الفاعل ".
- الشرع: " الشريعة مشرعة الماء و هي مورد الشاربة و الشريعة أيضا ما شرع الله لعباده من الدين. و قد شرع لهم أي سن. و شرع في الأمر أي خاض فيه. و أشرع بابا إلى الطريق أي فتحه".
و في لسان العرب: " شرع الوارد يشرع و شروعا تناول الماء بفيه. و الشريعة و الشراع و المَشْرعة: المواضع التي ينحدر إلى الماء منها. شرعت في هذا الأمر شروعا أي خضت. و الشريعة ما سن الله من الدين و أمر به كالصوم و الصلاة و الحج و الزكاة و سائر أعمال البر"
- ولاية: " الولي القرب. و وليه إذا قام به و الجمع أولياء. قال ابن فارس: و كل من ولي أمر أحد فهو وليه".
وفي لسان العرب: " الولي هو الناصر وقيل المتولي لأمور العالم والخلائق، القائم بها، الولاية بالفتح المصدر والولاية بالكسر الإسم مثل الإمارة والنقابة، لأنه اسم لما توليته وقمت به. والولي ولي اليتيم الذي يلي أمره ويقوم بكفايته. وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح عليها ولايدعها تستند بعقد النكاح دونه".
*اصطلاحا :
- الشرع: " تجويز الشيء أو تحريمه أي جعله جائزا أو حرما. والشريعة ما شرع الله تعالى لعباده. والمشروع ما أظهره الشرع والدين وما ورد به الشرع من التعبد. و يطلق على الطاعة والعبادة والجزاء والحساب".
- الولاية: " تنفيذ القول على الغير شاء الغير أو أبى". وقال الزمخشري رحمه الله في المولى: " هو كل ولي كالأب وابن الأخ و العم وابن العم و العصبة كلهم. ومنه حديثه صلى الله عليه و سلم : " أيما امرأة نكحت بغير أمر مواليها فنكاحها باطل"".
معنى القاعدة : تذهب القاعدة إلى أنه لاحق لأحد في التصرف في مال غيره أو ملكه بلا إذنه أو إذن من له ولاية أو وصاية عليه أو بإذن من الشارع والمتمثل في القاضي أو والي المسلمين. كما لا يجوز التصرف للوصي أو الولي فيمن له ولاية أو وصاية عليه إلا بحق شرعي. والتصرف هنا يشمل الفعل والقول. فكل تصرف من قبل الفرد في ملك غيره موقوف على إذنه. فإن أذن جاز وإن امتنع فالتصرف موقوف.
حجية القاعدة :
* من الكتاب :
- قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا و َسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا". قال محمود شلتوت رحمه الله تعالى**: " ... ثم تختم بالتحذير الشديد من إهمال شأن اليتامى و أكل أموالهم. و تذكر الوعيد في ذلك كله".
- قال تعالى: " وَ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا".
- قال تعالى: " وَ لاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَ تَكْتُمُواْ الْحَقَّ و َأَنتُمْ تَعْلَمُونَ".
- قال تعالى: " و َابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ و َلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَ بِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ و َمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ و َمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ و َكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا ". قال ابن عطية رحمه الله: " الآية نهي من الله تعالى للأوصياء عن أكل أوال اليتامى بغير الواجب المباح لهم. و الإسراف: الإفراط في الفعل و السرف الخطأ في مواضع الإنفاق ... و بدارا معناه مبادرة كبرهم. أي أن الوصي يستغنم مال محجوره فيأكل و يقول: أبادر كبره ليلا يرشد و يأخذ ماله".
- قال تعالى: " إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا".
* من السنة :
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " أد الأمانة إلى من ائتمنك و لا تخن من خانك".
- عن سمرة بن جندب قال، قال عليه السلام: " على اليد ما أخذت حتى تؤدي".
- عن المثنى بن الصباح عن أبيه عن جده أن الرسول صلى الله عليه و سلم خطب الناس فقال: " ألا من ولي يتيما له مال فليتجر فيه و لا يتركه حتى تأكله الصدقة".
- عن أبي أمامة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: " العارية مؤداة و الزعيم غارم و الدين مقضي".
بعض صيغ القاعدة :
- لا يجوز لأحد أن يتصرف في ملك غيره بلا إذن: كمن حفر بئرا أو شق طريقا أو نفقا أو نهرا أو بنى أو غير ذلك في ملك صاحبه دون إذنه أو إذن وليه أو وصيه فإن هذا التصرف باطل مردود بطريق الشرع. فلا يحل من هنا لأحد أن يتسلط على ما ليس له و يقيم فيه ما شاء لأن فعله مردود و يعامل بنقيض قصده.
- لا يجوز لأحد أخذ مال أحد بلا سبب شرعي: فكل مال مغصوب من صاحبه سواء بالسرقة أو بالتحايل أو الغرر لا يجوز تملكه لفساد السبيل. و يدخل هنا في حكم المال سائر ما يلحقه الغصب كالدور و الأراضي و الأدوات و البضائع و الثياب و غيرها. فلزم من القاعدة كون سبب الملك شرعيا كاسترداد الدين أو استيفاء مال مغصوب.
- لا ينزع شيء من يد أحد إلا بحق ثابت: كمن غصب مال غيره بأخذه على وجه الخفية أو التستر أو على وجه العلن غصبا أو حيلة ليستوجب حق غيره لنفسه ظلما و عدوانا. فهو آخذ له دون سبب شرعي. فلا حق شرعي أباح له انتزاع ملك صاحبه وسلب ما كان تحت يده. فلا ينتزع مال من صاحبه إلا بحق تابث. والحق الثابت ما كان بوجه شرعي أو ما أذن فيه الشرع استيفاء لحق الله أو النفس.
- الأمر بالتصرف في ملك الغير باطل: كمن أمر أهله أو عشيرته أو من يعمل عنده باستغلال ملك الغير بذريعة عدم استغلاله من قبل صاحبه و أنه من غير الشرعي ترك هذا الملك دون استغلال. فهذا التصرف باطل غير مشروع و ما استغل الآمر من الملك محرم عليه.
الاختلافات الفقهية:
مال الغير لاحق لأحد في غصبه أو استغلاله دون إذنه. إلا أن الفقهاء اختلفوا في تصرف الفضولي في مال غيره. فمنهم من ذهب إلى أنه موقوف على إجازة رب المال. فإن أجازه جاز، و إلا فسخ العقد. ومنهم من منعه مطلقا.
و الفضولي لغة: " من يشتغل بما لا يعنيه ". و اصطلاحا: " هو من تولى بيع متاع غيره من غير توكيل منه و لا إيصاء عليه و ما يماثل بيعه كهبته و استفادة الزوج مال زوجته، و قسمة تركة المديان قبل أداء الدين". فهو " أي تصرف من شخص في ما لا يملك بشرط رضى المالك".
فذهب مالك رحمه الله إلى إجازة بيع الفضولي و اشتراؤه لغيره. و نقله عنه ابن رشد الحفيد رحمه الله في بداية المجتهد. قال: " واختلفوا في بيع الفضولي هل ينعقد أم لا؟ وصورته أن يبيع الرجل مال غيره بشرط إن رضي به صاحب المال أمضى البيع، وإن لم يرض فسخ. وكذلك في شراء الرجل للرجل بغير إذنه على أنه إن رضي المشتري صح الشراء، وإلا لم يصح ... أجازه مالك في الوجهين جميعا ". بيعا وشراء مع اشتراط رضى المالك. واشتراط رضاه لازم لتسمى المعاملة فضولا. فإن لم يشترط الفضولي رضى المالك وسكت عن كون المبيع غير مملوك له فلا يعتبر فضولا. وقال ابن عبد البر رحمه الله: " ... يعني أن الشخص إذا كان غائبا عن مجلس البيع ثم يبلغه ما فعله الغير من بيع ماله وادعائه لنفسه. فإن أنكر ما فعله الغير وقت علمه فله الفسخ والإمضاء. إن سكت و قام بعد مضي مدة الخيار فلا شيء له و لو أثبت ملكيته بالبينة، لأن سكوته من غير عذر بعد علمه يعد رضى و تسليما ".
و دليل القائلين بالجواز هو حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع له دينارا ليبتاع له شاة فابتاع شاتين، ثم باع إحداهما بدينار وجاء بأضحية والدينار الباقي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم. فقال له عليه السلام: " بارك الله لك في صفقة يمينك".
فثبت من الحديث صحة التصرف في مال الغير بما هو من قبيل الزيادة أو النماء، أو بما يحقق مصلحة المالك ويوقف على إجازته وإلا فلا عقد. ولا يشترط في مصلحة المالك أن تكون محددة بحد معين وإنما هي على الإطلاق قلت أو كثرت بشرط عدم الضرر بالعاقد مع الفضولي.
وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن هذا البيع غير جائز مطلقا واستدل بحديثه عليه السلام: " لا طلاق إلا في ما تملك، و لا عتق إلا في ما تملك، و لا بيع إلا في ما تملك".
ورأي المالكية أولى في هذا الباب لأن للمالك الخيار، إن شاء أجاز و إن شاء منع. وقد يكون تصرف الفضولي محررا له مما عجز عن التحرر منه بالبيع أو الكراء أو مما لم يجد سبيلا لتصريفه معاوضة. كما أن فيه تيسير مصالح الناس وقضاء حوائجهم. فرفض هذا العقد تعسير للمصالح و تضييق على الناس ما دام الخيار للمالك بعد عقد الفضولي. و الله أعلم.
أما إن كان المالك حاضرا وقت تصرف الفضولي في ملكه و لم يعترض، ثم منع العقد بعد ذلك، فالعقد يصح ويلزم به لأن سكوته إقرار ورضى. قال ابن عبد البر رحمه الله: " ... يعني أن الشخص إذا بيع عليه ماله وهو حاضر مجلس البيع و لم ينكر على البائع بيعه بل سكت، فلا عذر يمنعه من الإنكار على البائع، يلزم هذا البيع المالك سواء كان البائع قريبا من المالك أو أجنبيا عنه أو شريكا باع الجميع".
من فروع القاعدة:
- تصرف الفضولي موقوف على إجازة المالك: تصرف الفضولي في مال الغير دون إذنه أو وكالة صحيحة منه أو ولاية له في ماله تصرف موقوف على إجازة صاحب المال. فإن أجاز جاز العقد و ترتبت أحكامه الشرعية عليه. وإن أبى بطل العقد إلا أن يكون الفضولي قد تصرف حال وجود المالك فإن البيع يلزمه أجاز أو أبى.
- لا ينتزع شيء من يد أحد إلا بحق ثابت: فلا ينزع مال المالك إذا باعه الفضولي بادعائه أنه وكله عليه. لأن هذا الانتزاع له ضوابطه الشرعية كولاية المال أو حكم القاضي أو الوالي أو الوكالة الصحيحة من المالك أو بيع متاع الموسر المتماطل في رد الديون.
من مقاصد القاعدة :
تذهب القاعدة إلى منع كل تصرف لغير المالك في ملك غيره دون إذنه أو دون إباحة شرعية من قبل القاضي أو الوالي كبيع متاع المدين الموسر المتماطل لرد دينه، أو بولاية خاصة أو وكالة صحيحة. كما تذهب القاعدة إلى منع تصرف الفضولي في مال الغير إن ترجح له أن المالك يرد العقد وإن أربحه.
من تطبيقات القاعدة :
- إن تصرف الفضولي في ملك غيره بالبيع أو الشراء أو الإعارة مع علمه بعدم رضى المالك، فإن هذا التصرف باطل موقوف لانتفاء شرط الرضى من أحد الطرفين. و الرضى لازم لقيام العقد و ترتب الأحكام.
- إن تصرف أحد في مال اليتامى دون إذن من القاضي أو الحاكم فإن تصرفه باطل يعاقب عليه لاستباحته ما لا يصح استباحته إلا بطريق مشروع و حثه عز وجل عن عدم قرب مال اليتيم و شدد الوعيد على آكله بغير حق. قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا و َسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا".
- من تصرف في مال غيره بالبيع أو القرض دون وكالة صحيحة مدعيا أن المالك أجاز له ذلك أو موهما أنه سمع منه ذلك فإنه يعاقب و لا تترتب على العقد أحكامه الشرعية إلا إذا أجازه المالك.
من مستثنيات القاعدة :
- إذا تصرف الفضولي في ملك الغير و شرط موافقة المالك لإتمام العقد فإن التعاقد صحيح لحق المالك في الخيار. فإن تم الاتفاق بينهما ترتبت الأحكام الشرعية على ما عقده الفضولي و إلا فلا.
- إذا تصرف الفضولي في ملك الغير و هو حاضر المجلس، ثم أنكر بعد ذلك التعاقد فإن المالك يلزم بالوفاء بالعقد لأن الأصل أن يمنع التصرف بمجرد العلم به أو عند ابتدائه. و سكوته حين التعاقد دل على رضاه.

علِّق

Type the characters you see in this picture. (verify using audio)
Type the characters you see in the picture above; if you can't read them, submit the form and a new image will be generated. Not case sensitive.